بيان من جبهة علماء الأزهر :إلى الذين أكلوا بدماء الفلسطينيين حتى تَخِموا ثم خذلوهم


السادس من المحرم 1430هـ
الموافق 3 من يناير 2009م


عن المُستورد بن شدَّادأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل برجلٍ مسلم أَكلةًفإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسي ثوبا برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله منجهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإنّ الله يقوم به مقام سُمعةٍ ورياء يومالقيامة». [رواه أبو داود، (4883)، وصصحه الألبانيفي صحيح سنن الترمذي، (4881)].
رذائل ثلاث اجتمعت في حق كل من ولي بحق الدفاع عن أعراض المسلمينوظيفة ثم خانها، واستحل ما يأتيه من مال أو دنيا على هذه الخيانة، وكذا من يطيعبحكم عمله سادته ورؤساءه في حصار ومحاصرة والتضييق على المجاهدين وتخذيلهم؛ طمعًافي علاوة وحرصًا على دنيا هي عن قريب زائلة (وفي الآخرة) بعد الخزي في الدنيا (عذاب شديد)

فإذا كانت الأكلة والكساء تعني كل راتب وعلاوة ودرجة مالية؛ فإنّالتسميع والرياء يعني ماتقوم به آلة الإعلام الكاذبة الخادعة نحو المجاهدين وأحكامهم وحقوقهم وحرماتهم.
عن جابر وأبي طلحة النصاري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من امرئ يخذُلُ مسلمًافي موطن يُنتقصُ فيه من عِرضه ،ويُنتهكُ فيه من حُرمته إلاّ خَذله الله في موطنيُحبُّ فيه نُصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موطن يُنْتقصُ فيه من عرضه، وينتهكفيه من حرمته إلاّ نصره الله في موطن يُحبُّ فيه نُصرته». [رواه أبو داود، (4886)، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب، (1353)].
إنّ هذه الصورةمن صور التخذيل، وإن كانت أقبحها فهي كبيرة من الكبائر لا يقبل الله معها عذرًا،ولايقيملأهلها وزنًا، لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا،يقول الحافظ ابن حجر: "من الكبائر ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربيون دارالإسلام أو أخذوا مسلمًا، وترك النّاس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصينثغورهم بحيث يُخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين".
قال العلماء: "والتخلف عن الجهاد هو أن يتقاعس المسلم ويتأخرعن استفراغ وُسعه في مدافعة العدو من الكفار والمشركين، الأمر الذي يفضح الله بهحقيقة صاحبه ويجمع به عليه عذاب الدنيا والآخرة".
أخرج أحمد والطبراني عنسهل بن حنيف رضي الله عنه أنّه قال: «من أُذِلَّ عِنده مؤمنٌفلم ينصُرْْه وهو قادر على أن يَنصُرَهُ، أذلَّه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يومالقيامة». [ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، (2402)].
عن أبي سعيدالخدري رضي الله عنه: "أنَّ رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليهوسلم، كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرِحوابمقعدهم خِلاف رسول الله، فإذا قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه،وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لميفعلوا فنزلت {لاتَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوابِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْعَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188]" [رواه البخاري، (4567)]، إنّه نموذج مننماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء دائمًا، يتوعده الله جل جلاله، الله مالكالسموات والأرض، القادر على كل شيء بالهلاك والخزي بعد الدمار، فأين المفازة له.
إنّ هذه الأمة يغسل الله عارها اليوم بدماء شهدائها، فلا تلوثوا أنفسكمبانصرافكم عن متابعة أخباره وأخبار أهله إلى متابعة الرخيص من مناكر الأقوالوالأفعال فتُحرَموا شرف التطهر به.
يقول الحق جل جلاله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَوَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواوَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً} [النساء: 84].
قاتلفي سبيل الله إذا تعينت المقاتلة سبيلًا لأداء الحق، والدفاع عن الحرمات، قاتل ولوكنت وحدك، فليس عليك إلاّ نفسك، قاتل وحرِّض المؤمنين، والتحريض هو الحثُّوالإحماء، والتحريض فريضة كفريضة القتال سواء بسواء، لا يؤتي أُكَلَه إذا كان القلببالفنون الهابطة وأمثالها من المحرمات فاسدًا.
وإذا كان لكل فريضة شروط لاتصح بدونها، وأركان لا تتحقق إلاّ باستيفائها، فإنّ من شروط سلامة سلاح التحريض ـوهو ليس بالأمر الهيِّن إذا صدقت عنده وله العزائم، وهي كلها ممكنة لكل غيورـ،مخاصمة معالم العبث، و اللهو، وأنديتها، وقنواتها، ومجالسها، وأصحابها.
فإنّذلك كله ممّا يتَوَسَّلُ به عدوُّنا للنفاذ به إلى قلوبنا، مع غيره من المعاصيوالمخالفات من مثلتحليل الحرام، وتجريم أداء الواجبات، وتحريم الحلال، ومن ثم تصرفالهمم عن معالي الأمور بسفسافها وقبائحها،واستباحة المحرمات، فإنّ الرجاء في اللهلا يستقيم مع المحادة له، والانصراف عنه، والانشغال بما يفسد القلوب ويسكر العقول،ويعطل المواهب، ويلغي معالم الشريعة الحقة، وبذلك تستحق الأمة كلها ما لايليق إلاّبعدوها من ضربها بالذل والهوان.
عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذنابالبقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلًا لاينزعه؛ حتى ترجعواإلى دينكم». [رواه أبو داود، (3464)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، (3462)].
والعيْنةُ نوعٌ من أنواع الاحتيال على إباحة الرّبا، بأن يبيعشيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل منذلك القدر يدفعه نقدًا، ويبقى الباقي على المشتري الأول في الذمة.
وهو أقلقبحًا ممّا يدعو إليه الآن وفي هذا الظرف أحد المتفيهقين من إباحة فوائد ورباالبنوك بعد أن قال بتحريمها من قبل، وفي هذا الوقت! وبعد أن خرص هو ومن معه عنالحديث عن حق المستضعفين في غزة إلاّ من عبارة أتت منه على استحياء، لاتقدم ولاتؤخر منه لا من شيخه، وبعد أن هُتِك سترُ الفائدة، ولم يعد يخفى على أحد ما جرَّتْهعلى العالمين من ويلات وكوارث يأتي المتفيهق ليقول بتحليل خبيثها.
إنّ الشيخ وشيخه لايغيب عنهما حقيقة المعركة، فالمعركة ليست معركة أسلحة وخيل ورجالوعدة وعتاد، وتدبيرحربي فحسب، بل إنّها معركة تشمل الأحكام والقوانين، وتدور رحاهافي القلب والضمير مع الأوضاع التنظيمية، والسياسات التعليمية، والعسكرية،والاقتصادية، ولأمر ما لم يخف على الشيخين جعلَ الله حديثه عن الرّبا يأتي عقبحديثه عن فضله على المسلمين في معركة بدر في سورة آلعمران، لأنّ النصر لايأتي علىأمة لاتُحَرِّم ما حرَّم الله قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْكَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد:9]، وهذا هوحديث الله عن الرّبا لا حديث المتفيهق.
{إِذْ تَقُولُلِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍمِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواوَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَالْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْوَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْيَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌأَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُوَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْلِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْتُرْحَمُونَ} [آل عمران: 124- 132
ولهذا لم يكن غريبًا أن يأتيالشيخ الآن والأمة كلها في حالة هذا الزحف الشرعي الذي يُفرض فيه الصمت عن كل حديثغير الحديث عن الجهاد ودواعيه، فإذا به يسعى في غضب الله بتحليل ماحرَّم الله،ويدعَ الحديث عن فريضة الجهاد لأنّ شيخه إلى الآن لايزال يجهل أنّ غزةمحاصرة!
أخرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «ما ترك قوم الجهاد إلاّذلُّوا».
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «من لم يغزُ، أو يجهِّز غازيًا، أو يخلُف غازيا في أهلهبخيرً أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة». [رواه أبو داود، (2505)، وحسنهالألباني في صحيح الترغيب والترهيب، (1391)]، وما أكثر القوارع الفاضحات التي نزلتولا تزال تنزل في الأهل، والشرف، والمال، وقد لُوِّثت بها عرصات المحاكم وموجات الأثير
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم:«من مات ولم يغز، ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة منشعب النفاق». [رواه مسلم، (5040)].
إنّ استنهاض الهمم، واستجاشةالعزائم للجهاد فريضة من الله تعالى على كل مسلم، لا يعذر فيها أحد، لأنّ كلفتهاغير شاقة، ونتائجها إن شاء الله ليست بالضعيفة، فالمؤمنون به أكفاء لعدو اللهوعدوهم، لأنّأعداءهم قوم لا يفقهون {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَصَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُواأَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} [لأنفال: 65].
فالفئة المؤمنة هي التي تفقه، تفقه الحقائق، وتدرك معنىالإيمان، فتستعلي به، وتخِفَّ له، وتدعوا ولوبدمائها وأشلائها إليه، وتثق في موعودالله تعالى لها{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَآمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51].
ومن هذا الفقه يأتي رعاية حقِّ التحريض، والإعداد المناسب له،ومطاردة مفسداته من الركون إلى مواطن العبث، والإخلاد إلى أسباب الدعة، تلكالمفسدات التي يزينها شياطين الساسة، ويروجها أبالسة المتفيهقين، فينتج عن ذلكأشرُّ أنواع العبوديات، عبودية القلب لمطالب الهوى وجنوده، فيضيع بذلك الرجاء فيالله، لأنّ الذنوب والسيئات تضر الإنسان أعظم ممّا تضره السموم. [مجموع الفتاوى 8/ 348].
إنّ الحرية هي حرية القلب من سلطان الأهواء، وغلبة الذنوب، وقهرالمطامع الرخيصة، وذل المناصب والألقاب التي أتتهم بغير رصيد.
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: "أَمَتُّ مطامعي فأرحتُنفسي فإنّ النفس ما طمعت تهون والقلب المشغول بالمعاصي قلب مسترق، لا تدعه المعاصيوحيدًا بغير أن تشغله بأخواتها، وتحبب إليه الفجور الذي فيه هلاكه وضياعه وضياع منمعه".
يقول الإمام ابن القيم: "تزوجت الحقيقةالكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد منهما خسران الدنيا والآخرة".
وقال شيخه ابن تيمية: "تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأفعال،فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأ المسلمين إلاّ أولاد الزنا يعيثون في بلادالإسلام، تضج منهم البلاد والعباد". [مدارج السالكين 1/175].
ومن هذا المنبتالخبيث تأتي الثعالب وتتوالد الخفافيش، الخفافيش التي يقتلها دائما النور، ويُحييهاالظلام، فلا تفتأ تتخابث وتمكر، استكبارًا في الأرض، وعبثًا بالحق، واستمتاعًابرضاب الآثمين، ومثلها إن مُكِّن لها ـ ولا يكون إلاّ عن غفلة من الأمة وتقصير ـ لايخرج منها إلاّ الرخيص من الأفعال، والساقط من منكر الأقوال وزورها، ممّا يُفسد علىفريضة التحريضِ عملها، ويُبْطِلُ سعي المُحَرِّضين في تحريضهم.
فليس يصلحعليها التَلّبُسُ بشيء من مسكرات الفنون، ومخدرات العصبيات التي بالغوا فيها حتىاستنبتوا بها في الأمة كل مسترذل ومستقبح، وفضحت به المعالم، وسقطتالأقدار.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صحيحه عنأنس رضي الله عنه: «المنافقون ليس لهم همٌّ إلاّ أنفُسهم،أجبنُ قومٍ وأَرغبُه، وأخذلُه للحق». [رواه الترمذي، (3279)، وصححه الألبانيفي صحيح جامع الترمذي، (3008)].
نُعيذ أمتنا بالله أن يكون فيها من يرضىلنفسه بالهوان، "فإنّ شرَّ النّاس من ينصرُ الظلومَ ويخُذلُ المظلوم" فاحتسبواأنفسكم أيّها المسلمون جميعا على الله، لاتحرموا أنفسكم شرف الشهادة بطلبها،وأخذالأهبة لها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللهعنه: "كرُم المؤمن تقواه، ودينُه حسَبُه، ومروءتُهُ خُلُقُه، والجبانُيَفِرُّ عن أمه وأبيه، والجريء يقاتل عما لايؤوب به إلى رحله، والقتلُ حَتْفٌ منالحُتُوف، والشهيد من احتسب نفسه على الله".
(فاتقواالله وأطيعون (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ}[الشعراء: 150ـ 152].

صدر عن جبهة علماء الأزهر
نقلا من موقع طريق الإسلام