مقال مهم جدا عن سياسة الاستخدام العادل للإنترنت
منقول من موقع جريدة الاهرام ارجوا قراءته و بالخصوص المصريين



جهاز تنظيم مرفق الاتصالات‏..‏ وسياسة الاستخدام العادل للإنترنت

منذ بدء الحديث عن سياسة الاستخدام العادل للإنترنت وحتي الآن وهي مثار لجدل علي مختلف الأصعدة والنواحي‏,‏ بدءا من تحديد المسئول عنها وانتهاء بصدور قرار بالتريث في تطبيقها والتأكيد علي أنها قواعد استرشادية وليست سياسة واجبة التطبيق‏,‏ وقد تأملت أمر هذه السياسة خلال الفترة الماضية وتمهلت في التعليق عليها متابعا ما يثار بشأنها وانتهيت إلي أن ما يمكن الخروج به من الأمر برمته أن جهاز تنظيم مرفق الاتصالات ينطبق عليه القول المأثور أسد علي وفي الحروب نعامةوذلك فيما يتعلق بطريقة إدارته للعلاقة بين المستهلكين وموفري خدمات الاتصالات في مصر من شركات محمول وشركات إنترنت وغيرها وليس في هذه الواقعة فقط‏.‏

فقد عودنا الجهاز المرة تلو الأخري علي أنه حينما يكون الأمر متعلقا بواجبات أو إجراءات يتعين علي المستهلكين والمشتركين ـ مثلي ومثلك ـ القيام بها يكون أسدا هصورا يهجم فيزعج ويربك ويقلق ويروع ويقضم وربما يعتصر في اللاوقت‏,‏ وحينما يتعلق الأمر بواجبات أو حقوق والتزامات يتعين علي الشركات الموفرة للخدمات الوفاء بها تجاه مشتركيها وعملائها يصبح نعامة تخاطب فتراوغ وتلاطف فتتلقي تكشيرة ممن تطالبه‏,‏ فتذعر وترتجف وتهرول من المواجهة وتخرج من أرض المعركة في اللاوقت بحثا عن حفنة رمال تدفن بها رأسها‏.‏

انظر لما حدث فيما قيل إنه مواجهة بين الجهاز وإحدي شركات المحمول في رخصة الجيل الثالث‏,‏ وكيف انكفأ الجهاز علي نفسه في النهاية متراجعا ملاطفا بعدما صور نفسه في بداية المواجهة علي أنه أسد قادر علي أن ينهي الأمر لصالحه فانتهي نعامة تبحث عن كف رمل‏.‏

وانظر إلي تقاريره التي يصدرها حول جودة خدمة شركات المحمول وكيف يبدو فيها حريصا علي توزيع السلبيات والإيجابيات علي الشركات الثلاث بتوازن دقيق يجعل كل شركة تخرج وقد كسبت شيئا يكفي لعدم تكشير الأنياب‏.‏

وانظر إلي كم الشكاوي التي يتلقاها الجهاز من مشتركين في حق الشركات وكيف يتعامل معها‏,‏ وكيف يكون خشنا فظا مع المشترك‏,‏ هينا لينا مع الشركات‏,‏ حتي أننا لم نسمع أنه أنصف مشتركا أو اقتص من شركة وأعلن ذلك علي الملاء‏.‏

بل إنني شخصيا لا أنسي كيف وقفت إحدي السيدات الفضليات في ندوة عامة كنت أحد محاضريها لتعلن أنها بصفتها رئيس لإحدي جمعيات الدفاع عن حقوق المستهلك تلقت شكوي من أحد المواطنين جارت عليه شركة الاتصالات التي يشترك بها نتيجة خطأ موظفيها‏,‏ وبعثت رئيس الجمعية بالشكوي لكل من الجهاز والشركة‏,‏ فانتهي الأمر برد من الجهاز يؤكد أن المواطن علي خطأ والشركة علي صواب‏,‏ في حين اعترفت الشركة بالخطأ وأصلحته وأعادت للمواطن حقوقه‏.‏

علي هذا الدرب سار الجهاز وارتدي ثوب الأسد وراح يزأر في وجه مستهلكي ومشتركي خدمة الإنترنت عالية السرعة الدي إس إل الشهر الماضي‏,‏ وأصدر ما أطلق عليه سياسة الاستخدام العادل للإنترنت بما تفرضه من قيود علي التحميل علي من يسرف في استخدام الشبكة بأكثر من اللازم ويضيق النطاق علي غيره من المستخدمين‏.‏

بدا الجهاز مرتديا ثوب من يصلح بين الناس فقال إن أقصي سعة تحميل للمشتركين في سرعة‏512‏ كيلو بايت البالغ قيمتها‏95‏ جنيها سيكون‏25‏ جيجا‏,‏ بينما المشتركون في سرعة‏1‏ ميجا سيكون أقصي تحميل‏40‏ جيجا‏,‏ وسرعة‏2‏ ميجا ستكون‏60‏ جيجا تحميل‏,‏ وسرعة‏4‏ ميجا ستكون‏80‏ جيجا تحميل‏,‏ وسرعة‏8‏ ميجا ستكون‏120‏ جيجا تحميل‏,‏ وسرعة‏16‏ ميجا ستكون‏180‏ جيجا‏,‏ وسرعة‏24‏ ميجا سيكون أقصي تحميل لها‏250‏ جيجا‏.‏

وفي شرحه لسياسة الاستخدام العادل وتقديمها للناس ذكر الجهاز في تصريحات علي لسان مسئوليه أنه‏'‏ راعي أن يكون الحد الأقصي للتحميل مناسبا لمتطلبات المستخدم العادي في سعة التحميل‏,‏ وفي الوقت نفسه يمنعه من إساءة الاستخدام ومجاوزة الحد الأقصي وإلا سيتم تقليص سرعته إلي‏128‏ كيلو بت‏/‏ ث‏,‏ وهي سرعة كافية للتصفح علي شبكة الإنترنت واستخدام معظم التطبيقات الشائعة عليها‏,‏ وراعي أن يكون الحد الأقصي متوافقا مع السرعة المتعاقد عليها‏'.‏

هكذا نصب الجهاز من نفسه وصيا علي المشتركين ومتحدثا باسمهم أمام نفسه وأمام الشركات‏,‏ علي الرغم من أنه لم يكترث بالمشتركين أصلا في المناقشة‏,‏ وأصدر هذه السياسة التي أحدثت رد فعل عفوي عنيف وصل إلي نزول بعض الشباب إلي الشوارع حاملين لافتات الاعتراض‏,‏ ناهيك عن عاصفة النقد والاحتجاج ـ التي لم تخل من بعض التجريح احيانا ـ التي هبت عبر المنتديات والشبكات الاجتماعية‏.‏

إزاء هذه الغضبة وجد الجهاز نفسه أمام ضحية تثور وتتعالي علي ما تصور هو أنه ضعف‏,‏ فلملم شتات نفسه وعاد ليقول أنها قواعد استرشادية‏,‏ وأنها للمستخدمين الجدد وليس للقدامي‏,‏ وأنها ستخضع للدراسة ورصد ردود الفعل‏,‏ إلي غير ذلك من التبريرات التي حاول بها تغطية تراجعه وتقهقره للخلف أمام غضبة المستهلكين والمشتركين‏..‏ ما هذا التخبط؟

أيها الجهاز‏:‏ إذا كان الأمر يحتاج لفترة استرشادية‏..‏ لماذا لم تطرحه علي أنه كذلك من البداية؟ وإذا كنت نعامة وستتراجع في أقل من أسبوع لماذا خرجت علي الناس في ثوب الاسد لتعلن ما تقول انه سياسة واجبة التطبيق؟

وإذا كان الأمر سيطبق علي‏'‏ المستخدمين الجدد‏'‏ وليس القدامي‏..‏ فهل لا يوجد لديك من ينتبه إلي أن الأمر في كل الأحوال ينطوي علي عدم عدالة؟ مرة لأن القدامي اشتركوا وفق عقود وبنود قانونية يفترض أنها ملزمة وواجبة الاحترام والتطبيق بين المستهلك والجهة الموفرة للخدمة وانتهاكها ليس عدلا‏,‏ ومرة لأن استثناء القدامي من شيء وتطبيقه علي الجدد يعد تفرقة وعدم عدالة في التعامل مع المواطنين بلا مسوغ من قانون أو دستور؟

ثم كيف تصدر سياسة استخدام عادل ليس فيها حرف واحد عن سلوك الشركات وضرورة التزامهم بتقديم خدمة ذات مستوي واضح وجيد وقابل للقياس لتكون سياسة الاستخدام العادل عادلة فعلا وشاملة لالتزامات كل الأطراف مشتركين وشركات؟

هلا تفضلت وشرحت لنا‏:‏ بأي حق تتهم ما يقرب من نصف مليون مشترك في خدمة الدي إس إل بأنهم يسيئون التصرف؟ يعني بالبلدي شوية عيال موش عارفين مصلحتهم وبالتالي اتخذت قرارك بأن تمنح الشركات حق القيام بدور الرقيب علي سلوكياتنا ومنعنا من إساءة التصرف؟

ما هذه الجليطة في مخاطبة الناس؟ ألا يوجد لديك من يحسن الكتابة ومن ينتقي الألفاظ؟ ثم من قال لك أن تجاوز الحد الأقصي يعني إساءة تصرف كقاعدة مطلقة؟ هل جميع المشتركين عن بكرة أبيهم سفهاء فاقدي الأهلية يلهثون وراء أفلام الجنس والأغاني وليس لديهم شيء آخر يفعلونه علي الشبكة‏,‏ حتي أنهم كلما تجاوزوا الحد الاقصي اعتبرتهم سيادتك من العيال الذين يسيئون التصرف؟

وما هذه الطريقة المغلوطة التي تحدثت بها عن الوصلات غير الشرعية؟ كيف تفترض علاقة مطلقة بين كمية التحميل والوصلات غير الشرعية؟ المؤكد أنه ليس كل من أفرط في التحميل لديه وصلات غير شرعية‏,‏ لأن هناك من يمكن أن يفرط عبر وصلة شرعية هي في الأصل وطبقا للعقد غير محدودة التحميل وليس من حقك أو من حق الشركات التي تلاطفها أن تراقب أو تحدد كمية ما يتم تحميله من خلالها‏,‏ اللهم إلا إذا كنت تعلم أن الشركات تبرم عقودا فاسدة مع مشتركيها وتتركها بلا حساب أو تبرم عقودا ولا تحترمها وتتركها أيضا بلا محاسبة‏.‏

المنطق يقول إن التعامل العادل مع هذا الأمر لا يكون بوضع جميع من أفرط في التحميل لينجز عملا في سلة واحدة مع من أفرط ليمد وصلة غير شرعية‏,‏ بل التعامل العادل الناضج يكون بأن تتخلي عن أخلاق النعامة وتواجه الشركات الموفرة للخدمة وأي من الجهات الأخري طالبا منهم القيام بواجبهم نحو إيجاد آلية للوصول لكل أو بعض من يستخدم وصلات غير شرعية علي وجه التحديد‏,‏ وساعتها يمكنك أن تصفه بكل الأوصاف من سوء التصرف إلي اختراق القانون‏.‏

ثم كيف تقول أيها الجهاز أنك ستقلص سرعة من يسيء التصرف إلي‏128‏ كيلوبت في الثانية ثم ستراعي أن يكون الحد الاقصي متوافقا مع السرعة المتعاقد عليها؟ هل تعتقد أيها الهصور أن الشركات ـ التي تراوغها وتلاطفها وتهرب أمامها حينما يجد الجد ـ مصابة بنوبة كرم تجعلها تترك خطوطها مفتوحة لكي يقوم المشترك بتنفيذ كمية تحميل تتجاوز السرعة المتعاقد عليها؟ أنت تعلم جيدا إن أكثر من ثلثي شكاوي المشتركين في خدمة الدي إس إل سببها إن السرعة الفعلية أقل دوما من السرعة التي تم التعاقد عليها وأن مستوي جودة الخدمة منخفض‏,‏ فكيف تفترض جدلا أن هناك من لديه القدرة علي تجاوز السرعة المتعاقد عليها؟ وكيف يمكنه القيام بذلك هلا شرحت لنا لو سمحت؟ هل تخاطب سيادتك مشتركين لدي شركات سخية في سرعات النطاق العريض إلي هذا الحد؟ هل أصبحنا في سويسرا وباريس ولندن ونحن لا ندري؟

أيها الجهاز‏:‏ كفي تدليلا للشركات واستإسادا علي المشتركين والمستهلكين‏,‏ وابحث عن شيء آخر تفعله لحكاية الوصلات غير الشرعية‏,‏ وعند البحث ووضع الحل حاسب علي كلامك ولا تتهم كل المشتركين بأنهم عيال يسيئون التصرف ومجرمون يخترقون القانون‏,‏ فهذا أمر لا يليق‏,‏ وفعل مخجل لا يوجد ما يفوقه خجلا إلا أن يكون المرء نعامة حينما يتعين عليه يكون أسدا‏.‏




جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net