أيهم أكثر رجولة؟ وأيهم أجبن؟
أبوأيوب الغزي 17/3/2010

كاتب فلسطيني من هولندا

زمان عجيب هذا الذي نحياه، زمان تجتمع فيه المتناقضات المتباينة إلى أقصى مدى! ففي هذه الأوقات العصيبة وبينما عين المجهر مسلطة على ما يجري في القدس الشريف، فإن المشاهد الآتية من هناك باتت مدهشةً، كاشفةً، فيها من الشفافية الشيء العظيم، حتى لكأننا أصبحنا نحس الحقائق بأيدينا، ونلمسها بإهاب الجلود!


فبالقدر الذي تسجل فيه هذه المشاهد بطولة أجناد بيت المقدس، وأهلها المباركين، فإنها بنفس القدر تفضح دياثة المتخاذلين الذين لم يكتفوا بإغماض عيونهم عمّا يجري هناك من أحداث عظام، بل أرادوا أن يغمضوا عيون الأمة أيضا وذلك حتى لا يكونوا وحدهم في مستنقع الدياثة! فها نحن نرى قنواتهم التافهة تعربد في فجور، وتنشر السفاهة، وتروج للعمالة، وتدس السم في الدسم، فتنحدر بذلك إلى دركات سحيقة في الغي والضلالة!



وفي المقابل فإنك ترى إعلاماً صادقاً وإن كان هو الاستثناء في الساحة، هذا الإعلام تراه يسلط عدساته على مشاهد عجيبة، لو أن جميع الأقلام الحرة انبرت لتصفها وتبرز جوانب العظمة فيها لما كفت أو وفت، ومن تلك المشاهد والأخبار مشهدان عجيبان من خطوط التماس في معركة القدس، تلك المعركة بين الحق والباطل، وبين الطهر والرجس، وبين الإجرام والبطولة، مشهدان غاية في التناقض الصارخ الذي يعلو به أهل الحق ويسمون، وينفضح به أهل الباطل ويبكتون!



المشهد الأول، وهو مشهد نقلته لنا الأخبار من الأقصى المبارك، عن تمكن 1500 إمرأة من الوصول إلى باحات الحرم القدسي والمرابطة هناك بالإضافة إلى بعض الأطفال وكبار السن! مشهد غاية في القسوة! مشهد نادر فريد من نوعه أن ترى المرأة ذلك المخلوق الرقيق، صاحب الدمعة القريبة، والقلب الحاني، يقف أمام شر الدواب على البسيطة في يومنا الحاضر، يقف أمام أعتى المجرمين ليقول لهم لا لن تمروا إلا على أشلائنا! لا لن تمروا إلا خائضين في بحار دمائنا!



يا له من مشهد مؤثر يفضح المتخاذلين، فيقول لهم يا حكومات لم نرتضيها، يا جيوشاً صدئة، يا ألويةً ونياشين زائفة، يا قامات قصيرة، يا هامات ذليلة، يا خذلانا لم يسبق له مثيل! فلتلبسوا الخمار ولتغطوا الرؤوس!



لا والله لا تلبسوا الخمار ولا تغطوا الرؤوس! فها هنّ من لبسن الخمار وغطين الرؤوس يدافعن عن شرف الأمة، وقدسها، ها هنّ من يُنشئّن في الحلية وهنّ في الخصام غير مبينات، يقفن وقفة الرجال! ها هنّ قد تركن أبنائهن خلفن في البيوت، ها هنّ لم يتممن رضاع أطفالهن، ها هنّ قد ذهبن إلى الأقصى، حاملات أرواحهن على راحاتهن! ها هن قد ذهبن إلى الأقصى ليذدن عن حياضه بدماء الشرايين! ها هنّ يرتفعن عالياً عالياً ليزحن أنظمةً خربةً نتنةً مهترئةً، ويقلن لها:



لا لاتلبسوا الخمار، ولا تغطوا الرؤوس فهذا شرف لا تستحقونه! ولكن هلا غطيتم سوءاتكم فقد انكشفت وانفضحتم! وهنا أطرح سؤالي الأول: أيهم يا ترى أكثر رجولة في عالمنا اليوم أهي أنظمة العمالة المهترئة، أم حرائرنا في بيت المقدس؟

أما عن المشهد الثاني، فهو مشهد ساخن، نقلته لنا قناة القدس الفضائية في تغطيتها المستمرة للعدوان على الأقصى، مشهد تشتعل فيه النيران، ويتطاير الدخان، مشهد تبصر فيه الملثمون بالعز والفخار يتصدون للمدججين بالعار والدمار! مشهد ترى فيه البطولة عارية الصدر وهي تواجه الإجرام المدرع! مشهد فيه الصهاينة المجرمون يتقدمون على حاجز من حواجز المواجهة، مطلقين قنابل غازهم ووابل رصاصهم الغادر على فتيان الأقصى العزّل، ومسلطين كلابهم المجوّعة والمدربة على الحشود، لتنهش من لحم أطفال فلسطين الغض!




ولكن هنا تحدث المفاجأة! فأنياب هذه الكلاب تنكسر أمام شجاعة أبناء الأقصى! فبعد أن كانت مقبلةً بشراسة، مندفعةً راكضةً بوحشية! إذ بها تتراجع وتفر وتولي الأدبار وتنسحب من المعركة أمام المدافعة الجريئة لأشبال الأقصى! إذ بفطرتها المفترسة تتلاشى أمام روح التضحية والفداء لدى هولاء الأبطال!

لطالما قد دربوا هذه الكلاب على مهاجمة كل من يطلق صيحات التكبير، ولكن إذ بسنوات التدريب تذهب هباءًً منثوراً أمام صيحات "الله أكبر" التي تزلزل قلوب الظلمة، قبل أن تزلزل حصونهم!


وفي الختام وبعد أن كنا نظن أن الصهاينة هم أجبن خلق الله، ألا يحق لنا أن نتساءل اليوم أيهم أجبن يا ترى هم أم كلابهم؟؟