وقفـــات مـــع أسطـــول الحــــرية



بقلم د. سعد فياض



الوقفة الأولى : مع الدور التركي والتجربة الأردوغانية:

التجربة الأردوغانية تجربة علمانية على أصول إسلامية ، ومع ذلك فهي تمثل شرخ في جدار العلمانية الأتاتوركية ، على عدة إشكاليات في الأصول والفروع ...

ولقد صار الناس إلى فريقين في التعامل مع هذه التجربة ، الفريق الأول نظر إلى الشرخ الذي صنعته في العلمانية الأتاتوركية والموقف الجديد المعاكس للسياسة التركية الموالية لليهود واعتبر أن التجربة الأروغانية تجربة إسلامية ناجحة بل ودعا إلى الاحتذاء بها وجزم البعض أن تحرير القدس سيأتي على يدها و أفرط البعض في الغلو والتحليق بعيداً عن الواقع واعتبرها إمارة إسلامية..

أما الفريق الثاني فنظر إلى إقرارها بالعلمانية وحملها دور الجيش في أفغانستان فاعتبرها حركة نفاقية مرتدة ووضعها في صف العدو دون تمييز وتعامل مع موقفها من أسطول الحرية على أنه لا يعدو تلميع لوجه النفاق ...

ونوجز ما نريده في هذه الوقفة فيما يلي:

1- المداهنة على أصل العقيدة والقبول بالعلمانية كما في التجربة الأردوغانية غير مقبول شرعاً، وأما محاولة استنساخها مع فارق الواقع فيعكس خلل في النظر الشرعي والواقعي ..

2- نصوص الوحي صريحة أن الجهاد في سبيل الله تحت راية (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله) هو الحل الوحيد لتحرير الأقصى ، فصفاء المنهج ووضوح الراية أصل النجاة والفوز في الدنيا والآخرة..

3- موقف حكومة أردوغان معاكس للتوجه الأمريكي واليهودي وهو أقرب للأصول الإسلامية والعربية ، واتساع الهوة بين تركيا واليهود يصب في مصلحة المسلمين وقضايا الأمة وخاصة القضية الفلسطينية..

4- الموقف الشرعي من الدور التركي في قافلة الحرية ينبغي أن يكون على شقين: الأول: الثناء عليه ومدحه بما يناسبه دون إفراطٍ أو تفريط ، والثاني: مطالبته بلوازمه من إيقاف المشاركة في مذابح المسلمين في أفغانستان والتمسك بالأصول الإسلامية والدفع بما يستطيع أمام التوجه الأتاتوركي للجيش ..


الوقفـــة الثـانية: التعـــرية الإعلاميــة لليهــود:

أدى الهجوم اليهودي على أسطول الحرية وقتل عدد من الأتراك والأوربيين إلى تبعات إعلامية معاكسة للصورة المرسومة لليهود في الإعلام الغربي ،والتي حاول اليهود فيها تكريس دعوى التمدن والتحضر وأنهم لا يقتلون إلا مجموعة من الهمج المتخلفين..

ففوجيء الغرب بقتل اليهود لأبنائهم ،ولأن الغرب لا يفهم إلا ما يمسه ويمس أبنائه ، فقد أدى هذا التصرف الأرعن إلى ردود فعل عند الشعوب ، ومع ذلك فلم تتخذ الحكومات الأوربية موقف جاد اتجاه ضحاياها ...

مما يحدونا أن نقف على ما يلي:

1- التراجع والضعف الذي يصيب الكيان الصهيوني أسرع مما يتخيل البعض فبعد أن تراجع على الأرض وأخلى مناطق مثل جنوب لبنان وغزة ، هاهو يتراجع على المستوى الإعلامي والسياسي ، وبدأت الأصوات المنددة بممارساته تعلو من داخل الإعلام الغربي الواقع تحت نفوذ اليهود الإعلامي..

2- علو الصوت الإسلامي ووصول الفكرة الإسلامية لعمق الداخل الأوروبي والأمريكي سواءً المتمثلة في تحميل الغرب المسئولية عن جرائم اليهود ، أو المتمثلة في فضح اليهود ووصمهم بالإجرام ، وبدأ بعض المنصفين يتجاوب معها ويؤيدها من منطلقاته وحسب فهمه وأيدلوجيته ..

3- أهمية التوجيه لهذه التعرية الإعلامية لتصب في الموقف الإسلامي الصحيح ، وتدعم التأصيل الشرعي والواقعي للجهاد في البلاد المحتلة..

4- تقوية المشاعرالغاضبة من الممارسات اليهودية وتسليط الضوء على الانتهاكات اليهودية للحقوق الإنسان سواءً المتعلقة بالناشطين الإنسانيين الأجانب أو المقدسات أو الأطفال والنساء والشيوخ ، مع الحرص على استمرار هذا الضغط الإعلامي على الحكومات الأوربية


الوقفــــة الثـــالثة: أسطـــول الحــــرية:

تُحاط التحركات الأوربية والتركية بهالة زائدة من التضخيم الإعلامي ، وهي تحركات حقوقية فردية متكررة يحاول فيها عدد من المنصفين كسر الحصار الجائر عن إخواننا في غزة ...

وللإنصاف نقف مع هذه التحركات كما يلي:

1- من المهم التفريق في الخطاب الإعلامي بين الموقف الفردي لهؤلاء الحقوقيين وبين الموقف الشرعي الواجب اتجاه الحكومات الصليبية التي قتلت المسلمين وتجرأت على مقدساتنا وأضرمت النار في حجاب أخواتنا ، فليس من الصواب المبالغة في التعميم البعيدة عن الضبط والواقعية مثل (هذه النصرة الأوربية فماذا فعلنا..؟!) فأوربا الصليبية لم تنصر – حتى الآن – أبناءها الذين قتلهم اليهود ، وإنما هذه تحركات فردية يُشكر أصحابها عليها..

2- الوقوف مع دعاوى التعايش مع الغرب ، فإن كان المقصود بها التفاهم مع أمثال هؤلاء المنصفون على نصرة المظلوم ومساندة المحتاج فلا بأس من ذلك ، أما الدعوة للتعايش مع قتلة المسلمين الصليبيين الحاقدين الذين تتوالى مواقفهم الصليبية اتجاه الأمة ومقدساته فهو خيانةٌ للأمة ومساندة لعدوها ..

3- ينبغي دعوة هؤلاء الحقوقيين إلى الضغط على حكوماتهم لاتخاذ موقف حقيقي من اليهود وجرائمهم ، وألا يحصروا موقفهم في محاولة فك الحصار بل في التعامل مع أسبابه ..

4- من المهم الحديث عن الأدوار البطولية للصحوة الإسلامية وقطاعات الأمة في دعم الحق ونصرة المظلوم في غزة وغيرها حتى لا يفتن البُسطاء المهزومون نفسياً أمام الغرب...


الوقفـــة الرابعـــة: موقف العلمـــاء والدعـــاة:

من أخطر الإشكاليات المتعلقة بقافلة الحرية ، الانبهار الحاصل بالإسلام العلماني والدور الأوروبي ، مما دفع قطاعات من الأمة - بل ومن العاملين في الصحوة - إلى الانبهار والسقوط في التبعية - بدرجات متفاوتة - لهذه الاتجاهات ، كما جعل الكثيرين يتساءلون عن الدور الإسلامي ، ولذلك فمن المهم التنبيه على ما يلي:

1- أهمية مشاركة – من يقدر من - الدعاة والعلماء في هذه القوافل ، وعدم تخلية هذه الساحات منهم..

2- مساهمة الجمعيات والهيئات الإسلامية في هذه القوافل ، وفضح هذه القوافل إذا رفضت أو اتخذت موقف مشبوه منها..

3- اظهار موقف اسلامي واضح وعادل يفرق بين العدو الصليبي وبين هذه التحركات الإنسانية لتعزيز هذه الجهود وكسر الروح الصليبية الذي يراد تعميمها وغرسها في الأوربيين..

4- التأكيد على واجب العلماء والدعاة في مناصرة إخوانهم في الأقصى وغزة بالفتوى والحركة والدعاء ، حتى لا يسمحوا بالمناهج المختلطة والأفكار المنحرفة أن تتسلق على هذه القضية في ظل صمتهم ، كما يفعل الرافضة وبعض الصوفية ..


هذا والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

العلامة الحويني
القدس لن ترجع إلا على أسنة الرماح