بقلم / المستشار محمود الخضيرى ١٩/ ٩/ ٢٠١٠

كنت أتمنى مشاهدة جميع حلقات مسلسل الجماعة... لا رغبة فى معرفة تاريخها فإنى أعرف منه ما يكفى للحكم عليها سواء عن طريق القراءة أو عن طريق معاشرة بعض رجالها أو عن طريق سماع بعض الروايات ممن أتيحت لهم فرصة معاصرة بعض الأحداث أو رؤية ومجالسة الإمام حسن البنا من غير الإخوان المسلمين، ومن هنا فإن عجبى الشديد من تصوير شخصية حسن البنا فى المسلسل، فحسن البنا بكل المقاييس كان زعيما، لديه كل مؤهلات الزعامة التى تزيد كثيرا عن مؤهلات الكثير ممن كان يعاصره من الوزراء ورؤساء الوزارات الذين عاصرهم والذين أظهر المسلسل وحلقاته الأخيرة حسن البنا أمامهم على أنه أقل شخصية، فليس حسن البنا الذى يبكى كالأطفال أمام وزير الداخلية بعد قرار حل الجماعة ويحاول وزير الداخلية تهدئته ومنعه من البكاء، وليس حسن البنا بالشخص التافه الذى يظل يضرب رأسه فى المنضدة طوال حلقة كاملة بعد تنفيذ قرار حل الجماعة والقبض على أعضائها، حسن البنا الذى أنشأ جماعة استعصت على القضاء عليها طوال أكثر من ثمانين عاما رغم الضربات التى تلقتها، والتى تنهار أمامها الدول، ليس بالشخص العادى أو الضعيف الذى ينهار ويضرب رأسه فى المنضدة، كما ظهر فى المسلسل.

أمر أخر أظهره المسلسل أثار استغرابى واستغراب الكثيرين غيرى وهو عدم إظهار نشاط الإخوان وبلائهم فى حرب فلسطين رغم أنه نشاط كفاح لا يستطيع أحد مهما، كان عداؤه لهم، إنكاره، والمسلسل رغم أنه لم يظهر هذا الكفاح حاول أن يشوه صورته بالادعاء على لسان أحد أعضاء الجماعة أن هذا الجهاد ضد اليهود فى فلسطين لم يكن نابعا عن حب الجهاد بل كان نابعا من محاولة لفت نظر الناس بعيدا عن حادث مقتل القاضى الخازندار، فأحد أعضاء الجماعة نبه المرشد حسن البنا إلى أن رد الفعل الشعبى ضد مقتل الخازندار يمكن القضاء عليه عن طريق إعلان الجهاد ضد اليهود فى فلسطين، وبذلك ينشغل الناس بهذا ويبتعدون عن مناقشة قضية قتل الخازندار، وهذا فى الحقيقة ظلم للمجاهدين ما بعده ظلم، وهو على أى حال ظلم دنيوى لأن جزاء المجاهدين المتكفل به الله سبحانه وتعالى الذى يعلم السرائر ويجازى كل إنسان بقدر نيته.

وجهة نظر المباحث العامة أن من قام بتفجيرات المحال اليهودية مثل هانو وصيدناوى وعمر أفندى هم الإخوان انتقاما من اليهود، وقد قتل فيها الكثير من المصريين، أما وجهة نظر بعض المؤرخين فهى أن من قام بهذه التفجيرات هم الإسرائيليون، لأن يهود مصر لم يُقبلوا على الهجرة إلى إسرائيل فأراد بعض زعماء إسرائيل إرغامهم على ذلك فقاموا بهذه التفجيرات حتى يعطوا اليهود المصريين انطباعاً بأنهم مستهدفون فى مصر ويدفعوهم إلى الهجرة إلى إسرائيل، لا يوجد مصرى عاقل يفكر فى تفجير هذه الأماكن لأن ذلك يلحق أبلغ الضرر بالاقتصاد المصرى والشعب الذى سيكون الضحية الأولى لهذه التفجيرات، سلاح الإخوان لم يكن الهدف منه محاربة الحكومة حتى وإن كانت موالية للاستعمار، كما كان شأن أغلب الحكومات قبل الثورة، ولكن كان يستهدف جهتين: الأولى اليهود فى فلسطين، والثانية الإنجليز فى القناة، وعدم الاعتراف بذلك كمن ينكر الشمس وقت طلوعها، وبلاء الإخوان فى الاثنين يعرفه الجميع وبالتأكيد يعرفه الأستاذ وحيد حامد، ولكن صوّره على أنه محاولة للفت نظر الناس عن الأخطاء التى يرتكبها الإخوان لا حبا فى الجهاد والتضحية لأن هذا يرفع من شأن الإخوان ويمنع إذاعة المسلسل على القنوات التليفزيونية الحكومية، والكاتب والمنتج فى أشد الحاجة لذلك.

فى واقعة شهدتها بنفسى فى السنوات الأولى فى عمر الثورة وكان سنى وقتها لا يتعدى الثالثة عشرة واصطحبنى أحد أقاربى لسماع حديث الثلاثاء فى المقر العام للإخوان المسلمين، كان المتحدث وقتها الأستاذ سعيد رمضان، وكان - رحمه الله - متحدثا لبقا مفوها، وكانت الثورة الجزائرية على أشدها، والكفاح المسلح فيها محتدماً بين الجزائريين والفرنسيين، وفى آخر الخطبة دعا إلى تكوين كتيبة من مائة متطوع للذهاب للقتال فى الجزائر وفور سماع هذا النداء توجه قريبى هذا لقيد اسمه مع المتطوعين إلا أنه عاد بعد برهة حزينا لأنه وجد أن قائمة المائة متطوع قد اكتملت وطُلب منه الانتظار حتى إعداد كتيبة أخرى، طبعا لو أن أحد رجال المباحث العامة أراد أن يفسر ذلك لقال إن الكتيبة فى الحقيقة لم تكن للقتال فى الجزائر ولكنها كانت لقتال الحكومة المصرية.

التاريخ، يا أخى الفاضل الأستاذ وحيد حامد، لا يؤخذ من وجهة نظر واحدة لأن فى ذلك الكثير من الظلم لمن تكتب عنه والتاريخ والأعمال التاريخية يجب أن تستقى من مصادر عدة.

إذا أخذنا بمعيار أن سلاح الإخوان موجه إلى الحكومة المصرية وليس إلى إسرائيل وإنجلترا، فإننا بنفس المعيار سنقول إن سلاح المقاومة الإسلامية حماس موجه إلى الجارة مصر وإلى منظمة التحرير وليس إلى إسرائيل، وهذا بالضبط ما تقوله أجهزة الإعلام الحكومية عندنا، كما أن سلاح حزب الله ليس موجها إلى إسرائيل ولكن للسيطرة على لبنان لحساب إيران، كما أن حماس وحزب الله لم ينتصرا فى حربهما على إسرائيل نظرا للدمار الكبير الذى لحق بلبنان وغزة، وينسى هؤلاء أنه لا توجد حرب بلا خسائر بشرية ومادية، وأن العبرة فى النهاية بتحقيق أهداف الحرب وهى بلاشك قد تحققت بدليل التحقيق الذى أجرته إسرائيل عقب حربها مع حزب الله وأداء قادة هذه الحرب، كما أن إسرائيل فى حربها على غزة كان هدفها الأول تحرير الجندى الأسير وقد فشلت فى تحقيق هذا الهدف الصغير.

عندما أستعرض تلاميذ حسن البنا لأتعرف على شخصيته ومدى تأثيره، وأعلم أن من بينهم من يعيشون بيننا ونعتز ونتفاخر بهم مثل الشيخ القرضاوى، ونترحم عليهم ونستفيد بعلمهم مثل الشيخ الغزالى والشيخ سيد سابق والأستاذ سيد قطب، ومن كنا نود أن يكونوا بيننا الآن ليعلمونا كيفية الكفاح والنضال ضد إسرائيل مثل الشيخ فرغلى بعبع الإنجليز. كل هؤلاء وغيرهم كثير من تلاميذ الإمام حسن البنا، لعرفنا مدى قامة وشخصية وعلم هذا الرجل الذى لم يكن ليبكى كالأطفال فى حضرة وزير داخلية يستمد مكانته من الكرسى، أو يخبط رأسه على المنضدة كما يفعل المتخلفون، إن كان حسن البنا ساهم فى اغتيال الخازندار والنقراشى سواء كان هذا بأمر منه أو بعلمه أو لم يكن، إلا أننى لا اعتقد أنه قال إنه فى قابل أيامه سيبتعد عن السياسة لأن الدين الإسلامى دين ودولة وإلا أصبح الإخوان مثلهم مثل الطرق الصوفية لا هم لهم إلا العبادة على الطريقة التى تروق لهم، أو مثل الجماعات السلفية التى تبتعد عن الجهاد، وهذا بالضبط ما تريده النظم الحاكمة فى كل البلاد الديكتاتورية حتى تكون فى مأمن من منازعتها على السلطة وتستريح الحكومات وتطمئن إلى بقائها أبد الدهر وتسعى فى الأرض فساداً، كما يحدث الآن.

لا عيب فى السعى إلى السلطة مادمت تسعى إليها بالطرق الشرعية، وهو ما تفعله المعارضة الآن، ولكن العيب كل العيب فى السعى إليها بطرق غير مشروعة، كما يفعل الحزب الوطنى اليوم.

لا تعجبنى فكرة محاربة الأعمال الفنية عن طريق اللجوء إلى المحاكم لعدم جدواها، ولأنها قد تعطى العمل الفنى قيمة ليست له تلفت النظر إليه أكثر، ولكنى من أنصار الرد بعمل فنى كبير وقيّم يُترك أمر إعداده ليس للإخوان المسلمين ولكن لمؤرخين محايدين حتى لا يكون العمل رد فعل، وأن يراعى الحسنات والسيئات لأنه لا يوجد بشر ليس له أخطاء، فهذا هو الرد الطبيعى على أى عمل فنى، وأعتقد أنه فى الأعمال الفنية الحسن منها يطرد السيئ كما فى العملة، وأذواق الناس وإحساسهم هو الحكم فى النهاية وهو حكم لا يخطئ، ومطلوب من الإخوان عدم التعجل سواء فى الكتابة أو الإخراج لأن العمل كبير ومنتظروه كثيرون.