بيكسار كيف تصنع أفلاماً رائعة وتجني مليارات الدولارات

هل ترغب بإنشاء أستوديو سينمائي مصغر يعود عليك بالإشادة الفنية والنجاح المادي وأفلام يعشقها الجميع حول العالم؟ حسناً، إليك الطريقة! أنت أيضاً يمكنك بخطوات قليلة وبسيطة أن تجني 6.2 مليار دولار على شباك التذاكر وتحصل على معدل مراجعات نقدية يصل إلى 93% بابتكارك لتحف من أفلام الرسوم المعاصرة – أو أي شيء آخر. ما عليك سوى تتبع خطوات نجاح شركة بيكسار هذه…
ترجمة مهند الجندي (تم الاستغناء عن بعض الأقواس لسخريتها المشتتة).
ابتكر
عرفت بيكسار نموها مع بداية ظهور الرسم باستخدام الكمبيوتر. وهي التي قام جورج لوكاس صاحب الرؤية المستقبلية بالتحضير لها ضمن شركته “الضوء والسحر الصناعيان”، كانت قد بدأت كشركة لتطوير البرمجيات تختص بفنون الرسوم الحاسوبية. وكان إد كاتمول، أكاديمي سابق، مديراً للموظفين وأسطورة في هذا المجال لحله ثلاث مشاكل كبيرة ضمن فنون الرسوم الحاسوبية، لاكتشافه طريقة تمكن الآلة من إضافة عمق للمجسمات فتمكنهم من تصحيح تدخل الأشكال أخرى التي تعمل على إخفائها (يُطلق عليها علمياً: z-buffer = وهي القدرة على منع اختراق الأجسام ثلاثية الأبعاد مع بعضها عند تماسها)، وكيفية إضافة تفاصيل لشكل ثلاثي الأبعاد بتغليفه داخل صورة ثنائية الأبعاد (texture mapping = النسيج أو التكسية)، وكيفية بناء أجسام منحنية بفضل أداة الـ(subdivision surface = انقسام السطح). حدث ذلك كله في أوائل الثمانينات حينما كان يعمل على حواسيب قديمة للغاية. كاتمول هو مؤسس بيكسار المنسي في عيون الناس، لكن لولا تميزه بحل المشاكل التقنية لما شهدت بيكسار انطلاقتها هذه. بيد أن أرباح بيكسار كشركة برمجة لا يعد أهم أسباب نجاحها، بل لانتقال كل من كاتمول (ألبرت آينشتاين وولت ديزني هما بطلي طفولته) وجون لاستير التدريجي إلى عمل في مجال الرسوم، فتمكنا بطريقتهم الخاصة أن يحولا العروض البرمجية القصيرة إلى محافل فنية كبرى، يا لذكائهما.

مغزى القصة:
لا تخشى مواظبة العمل في التكنولوجيا ريثما تتقنها (اقرأ أيضاً: انتظار جيمس كاميرون 10 سنوات لصنع فيلم آفاتار). ضع بالحسبان تعيين معالج متخصص للمشاكل كأحد أعضاء فريقك. كما قد تفكر بحلول بديلة أخرى، كوسائل ربح تقليدية تمكنك من تجاوز السنوات الأولى الصعبة.
ليس من الضروري أن تكون عبقرياً للعمل هنا – لكنها إضافة مفيدة
”مؤسسو شركة بيكسار الثلاثة، إد كاتمول وجون لاستير وستيف جوبز، هم أشخاص أذكياء يتفهمون العملية الإبداعية أكثر من غيرهم. سيكون من الرائع أن تعمل بجوار واحد منهم؛ بينما العمل مع الثلاثة سويةً في نفس الشركة فهو أمرٌ خيالي. مسألةٌ يجب تقديرها كما ننظر للجراند كانيون التي حدثت، لا أحد يعرف كيف حدثت، لكنك مجبر على تقدير عظمتها”.
هذا ما قاله براد بيرد حول بيكسار في العام 2007 أثناء إخراجه لثاني أفلامه بعنوان “راتاتوي” لصالح الأستوديو. وقد انظم بيرد الآن إلى خبراء بيكسار، إلى جانب كل من أندرو سانتون وبيت دوكتر ولي أونكريتش وغيرهم، ومعظمهم فعلوا ذلك بعد تخرجهم من الجامعة مباشرةً وأثبتوا كفاءتهم لتولي إخراج. ويتيح اهتمام شركة بيكسار بالأفلام القصيرة فرصة قليلة التكلفة للمخرجين الجدد كي يثبتوا تميزهم، وبالنظر لعدد الأشخاص الذين أخرجوا أفلام قصيرة في الفترة الأخيرة و وأخرى طويلة ستصدر تباعاً مثل فيلم Brave، يتضح أنها سياسة ناجحة. وذكرت مقالة صدرت حديثاً في صحيفة الغارديان أن خلفاء “ليوناردو دا فينشي” يعملون اليوم في شركة بيكسار، فبصماتهم تطغى على كل شيء موجود في عالم الفن هذه الأيام لتشكل نوع ما من ثورة معاصرة ضمن الرسوم المتحركة. سواءً اتفقت مع هذا التصريح أم لا، ثمة شيء لا غبار فيه حول أسلوب الشركة في توظيف العاملين بها. نعم أصبت، إن كنت ترغب بالعمل في بيكسار، فقد تحتاج لأسلحة أكثر من شهادة الثانوية العامة من استوديوهات الإعلام أو أسبوعي عمل في شركة آسدا.

مغزى القصة:
كما قال كاتمول مراراً: “لا تخشى من تعيين أشخاص هم أذكى منك.”
واصل التعلم واللعب
ويرى جون لاستير أن على الجميع تعلم الرسم، من الطباخين إلى عمال النظافة، وهو عامل أساسي في سياسة الشركة، ولذلك تعقد بيكسار حصص رسم عامة تهدف لإتقان مهارات الرسم الأساسية. وقد أنشئت الشركة بالإضافة لهذه الحصص: جامعة بيكسار، وفيها يمكنك تعلم ما يحلو لك، من النقش على الحجارة إلى الطبخ وكافة أنواع الفنون – جميعها متوفرة، وهي متاحة لأي شخص تقريباً. كما أن المقر الرئيسي للشركة مجهز بمرافق رياضية مختلفة، ناهيك عن ملعب لكرة الطائرة الشاطئية.
الرسامون وكتاب القصص كذلك يتعلمون بعض التفاصيل الخاصة ضمن أفلام معينة. فقد تعلم جميع العاملين في فيلم Finding Nemo مثلاً على الغوص تحت الماء، بينما أتقن طاقم فيلم Ratatouille فن تذوق الطبخ. إنها مسألة وقت لا غير قبل أن يكتشف أحد موظفي الشركة طريقة يكتب بها قصة تدور أحداثها في فندق خمسة نجوم عالمي ملئ بأشهر عارضات الأزياء، ويجري عنه أبحاثاً يوافق عليها رؤسائه (إنهم بهذا القدر من الذكاء).
هذا الأسلوب هو عملة بوجهين عند صناعة الأفلام، كما سنرى بعض لحظات…

مغزى القصة:
كلما ازدادت معرفتك حول الموضوع، كلما ازدادت فرص نجاحك بنقله بدقة إلى الشاشة وتجنب الأخطاء التي قد تزعج الجمهور وتبعدهم عن العالم التي تحاول ابتكاره. علماً أن الأذكياء يحبون تعلم أشياء جديدة دوماً.
افشل في البداية، مراراً وتكراراً
يقول مخرج فيلم Toy Story 3 لي أونريخ: “الإخفاقات هي جزء لا يتجزأ من صناعة شيء جيد، ولهذا نهدف أن نخفق بأسرع وقت ممكن.” فكل قصة تخرج من شركة بيكسار تبدأ بداية هزيلة. حسناً ليس لهذه الدرجة، لكنها تحتاج للكثير من التعديل. شخصية Wall-E مثلاً، ولدت فكرته خلال أحد الاجتماعات الأولى في الشركة، بيد أنه احتاج لعشرة سنوات تقريباً ليصبح على هذا الشكل الودود المحب للدمى والمصاحب للصراصير الذي نعرفه جميعاً ونحبه.
كما عرفت أفلام أخرى فشلاً شديداً. فيلم Toy Story 2 تمت إعادته بمجمله إلى لوحة الرسم مع بقاء عام واحد على موعد صدوره الرسمي؛ حاله من حال Toy Story وA Bug’s Life اللذان خضعا لإعادة كتابة جذرية، وبالطبع المثال الأكثر شهرة هو فيلم Ratatouille الذي أُعيد رسمه من الصفر. وفيه تم الاستغناء عن خدمات مخرج الفيلم الأصلي جان بنكافا (الذي أثبت مهارته في فيلم بيكسار القصير Geri’s Game) واستعانت الشركة بجهود براد بيرد للبدء من جديد، فقام بإعادة كتابة النص وغير كافة اللقطات المصورة ما عاد اثنتين منهم. تخيل لو تواجد شخص ما ليُعامل فيلم Transformers 2 بنفس الطريقة.
وهذا يفسر على الأرجح سبب استحالة حصول الصحفيين على أية معلومات مفيدة من قبل موظفي بيكسار حول أي من أفلامها ما عدا مشروعها الحالي. فهم لا يريدون الحديث عن أي أعمال مستقبلية قد تتغير بين اللحظة القائمة وموعد صدوره.

مغزى القصة: إذا وجدت أن أمراً ما لا يسير كما يجب، تخلص منه، دون أية استثناءات. وكُن مستعداً للبدء من الصفر إن كان هذا ما تحتاجه. دعونا نمعن النظر كيف لبيكسار أن تميز الناجح عن الطالح؟ الفضل يعود لإمعانهم النظر بشكل دؤوب ومتواصل لكل مرحلة من العملية الإبداعية، وبأسلوب بناء ومشجع. من القصة إلى ألواح الرسم إلى تسجيل الأصوات وحتى تجميع التجريبي للرسوم، يعمل الفريق السينمائي في بكيسار (على رأسهم لاستير وسانتون ودوكتر وبيرد وغيرهم) على ضمان سير كل فيلم وفق المساق الصحيح، واتخاذ إجراءات حساسة تتكفل باستمرار سير العملية على هذا المسار. ورغم ذلك، إلى جانب تبديل المخرجين وإعادة كتابة السيناريوهات عند الحاجة، فقد تركت بيكسار في مخازنها أفلاماً لم تسر كما هو مخطط لها (كفيلم Newt على سبيل المثال). يقوم مستوى الإشراف عالي الدقة هذا على دراسة القصص وتحليل وتجميع المواضيع والشخصيات ومعاينة الرسوم وتشكيلها من ألفها إلى يائها. ويعقد كل فريق سينمائي اجتماعاً أسبوعياً على الأقل لعرض أعمالهم اليومية وتقييمها من أجل كشف الأخطاء مبكراً، ويمكن للجميع إضافة الاقتراحات والتحسينات، وأولهم المخرج والمشرفين. وبالتالي رغم أن الأفلام تخضع لإدارة المخرج والعمل الجماعي كما يؤكد لاستير دائماً، ثمة جهود إضافية كبرى تبذل للمحافظة على جودة العمل.

مغزى القصة:
استعن بأشخاص أكفاء ليقدموا لك النصيحة، واستفد منها.
لا تخشى الفشل الذريع
حتى معايير جودة العمل هذه لا تضمن نجاحك كل مرة. وهنا تكمن فائدة عدم الخوف. بحيث أن فريق عمل بيكسار يدرك أن الفشل قادمٌ لا محالة، فهم ليسوا ساذجين ليعتقدوا أنهم سيحصلون على مراجعات نقدية إيجابية بنسبة 90% ومليار دولار في شباك التذاكر عن كل فيلم يصدرونه. صحيح أنهم لا يرغبون بتاتاً بإصدار فيلم يقل عن مستوى بيكسار المعهود، إلا أنهم بنفس الوقت يرفضون الإتباع نمط أفلام ديزني في أواخر التسعينيات.
أفلام بيكسار التي أصدرتها خلال العامين 2008 و2009 هي أمثلة واضحة على ذلك. فبعد مجموعة من الإصدارات التي تدور حول مواضيع يحبها الأطفال وتتعلق بهم (كالألعاب والأسماك والوحوش والسيارات والحشرات)، أصدرت الشركة فيلمين يصعب ضمهما لتلك المجموعة. آخر رجل آلي على وجه الأرض يمضي يومه في نبش القمامة؟ أو رجل عجوز يربط منزله ببالونات ويرحل بها إلى أمريكا الجنوبية؟ إنها ليست المواضيع التي تغمر أحلام الأطفال. والفيلم القادم بعنوان Brave هو مثال آخر واضح على ذلك (حتى لو كان يشبه القصص الخيالية التي عرفت بها شركة ديزني وبعيد كلياً عن أفلام بيكسار السابقة). فالسر يكمن بأن لا تسلم نفسك لأمجادك، أو أن تكتفي بإصدار الأجزاء المكملة، وإن تحتم عليك صناعة أجزاء ثانية، احرص على سرد قصص مثيرة للاهتمام.

مغزى القصة:
واظب المغامرة، واصنع الأفلام بأفضل طريقة ممكنة، وتمنى أن تعجب الجمهور. فإن تبين عكس ذلك، اربط جأشك وفكر ملياً بما قمت به طالما أنك بذلت أقصى ما في وسعك وقدمت شيئاً جيداً، فقد يغيروا رأيهم بعد 40 عام.
ضع هوليوود في جيبك
حسناً، أنت الآن تملك المعادلة الناجحة القائمة في بيكسار، لكن ماذا عن بقية شركات هوليوود وميولها لما هو مقبول وحسب؟ هذا التفكير لن يجدي نفعاً معك، بالتالي، فإن خيارك الوحيد هو أن تهيمن على هوليوود. عندما اشترت ديزني شركة بيكسار في العام 2007، شغل جون لاستير منصب مدير الإبداع في قسم “الماوس هاوس” وقرر حينها أن يقلب المكان عن بكرة أبيه. فعند زيارتك لاستوديوهات والت ديزني للرسوم المتحركة هذه الأيام، ستجد ثقافةً توحي بشبه كبير من جارتها الشمالية “بيكسار”، بنفس أسلوبها التخطيطي المنفتح وتشديدها على عنصري التعلم والنقاش، ناهيك عن وجود مائدة إفطار مجانية مليئة بكافة أنواع الحبوب. لاستير الذي أحضر أساليب عمل ديزني القديمة إلى بيكسار، هاهو يعيد تطبيقها في السفينة الأم التي تجمع بين الشركتين، وهو نفس الوقت الذي قام به هو وزميله كاتمول بفرض سيطرتهما على أستوديو ديزني للرسوم المتحركة.
وفي مكان آخر، سينتقل براد بيرد للعمل ضمن الأفلام الحية لإخراج فيلم المهمة: المستحيلة 4، أما أندرو سانتون فقد انتقل للأفلام الحية قبله لإخراج فيلم John Carter of Mars. إنها مسألة وقت ليس أكثر قبل أن تهيمن روح بيكسار الجماعية و/أو طاقمه على صناعة السينما، ونحن الآن ندخل العصر الذهبي الثاني للسينما والسلام العالمي يتلاشى دون سابق إنذار.