السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

انه مما لا شك فيه أن جميعنا يسعى الى أن يكون من أهل المنهج الوسطى فى الاسلام ولا شك أننا جميعا ندعى أننا أهل الوسطية ولطالما أستخدمت كلمة وسطية كثيرا خصوصا فى هذه الآونة لكن الغريب هو أن أصحاب الفكر المختلف والمتضاد يدعون نفس الادعاء حتى صارة الوسطية شعارا وليس منهجا !!!
واليوم قرأت هذا المقال للكاتب فهمى هويدى الذى هو بعنوان ( دفاع عن الوسطية المصرية ) بجريدة الشروق
ثم قرأت بعدها ردا على هذا المقال للدكتور أحمد الغريب بعنوان ( دفاع عن الوسطية أم هجوما على السلفية ؟؟ )


واليكم بهذين المقالين

أولا ( دفاع عن الوسطية المصرية )

عندما ألقى أحد رموز الفكر السلفى بمصر خطبة الجمعة قبل الماضية فى أحد المساجد الكبرى التى تشرف عليها وزارة الأوقاف، انتابنى شعور بالدهشة والحيرة. وحين نشر قبل أيام قليلة أن القيادى السلفى بصدد إلقاء خطبة الجمعة فى مسجد عمرو بن العاص الأكبر والأقدم فى أفريقيا وليس فى مصر وحدها (وهو ما تم التراجع عنه فى اللحظة الأخيرة) كان السؤال الذى خطر لى هو: هل قررت وزارة الأوقاف أن تسلم بعض المساجد الكبيرة التى تخضع لإشراف الدولة لكى تسخر منابرها للترويج للفكر السلفى، متنازلة بذلك عن تمسكها بالفكر الأزهرى الوسطى الذى عرفت به مصر على مر العصور؟

ثمة إيضاحات ضرورية أسجلها قبل مناقشة القضية هى:

●إن مصطلح الفكر السلفى فى الخبرة المعاصرة ينصرف إلى تيار متشدد فى فهم التعاليم، ويعد امتدادا للمدرسة الوهابية التى تستلهم فكر شيخ الإسلام ابن تيمية، ويستمد مشروعيته الفقهية من مذهب الإمام أحمد بن حنبل. وبعد ان كانت السلفية فى المفهوم الأصولى تصف القرون الثلاثة الأولى من التاريخ الإسلامى، فإنها أصبحت لاحقا وصفا لجماعة بذاتها اعتنقت فكر محمد بن عبدالوهاب، ونسبت إليه. ورغم أن الجزيرة العربية ظلت مهد الحركة ومعقلها، إلا أن ظروفا عدة يطول شرحها ساعدت على عبورها الحدود ووصولها إلى العديد من أقطار العالم العربى والإسلامى.

● لم يعد السلفيون شيئا واحدا. ولكن فى داخلهم تيارات متعددة وبينهم عقلاء ومتطرفون. ففى الكويت مثلا فريق من الحركة السلفية يؤمن بالديمقراطية، فى حين أنهم فى السعودية ينفرون منها، وقد حرَّمها أحدهم فى مصر مؤخرا. وأيا كان رأينا فى تشددهم إزاء مختلف مظاهر السلوك الاجتماعى وتعصبهم إزاء الآخرين المغايرين، المسلمون منهم وغير المسلمين، فإن حقهم فى الدفاع عن مشروعهم الفكرى يظل مشروعا، على الأقل فيما لا يتعارض مع القانون والدستور.

● الحركة السلفية من هذه الزاوية تتبنى موقفا مختلفا وبعيدا عن مسار الوسطية التى عرف بها الأزهر فى مصر ودافع عنها على مدار تاريخه، وإذاكانت قد انتعشت بصورة نسبية خلال السنوات التى تم فيها حظر نشاط الإخوان المسلمين، إلا أنه تظل فصيلا ينبغى الاعتراف به وجزءا من ظاهرة التنوع والتعددية فى الساحة الإسلامية، شأنهم فى ذلك شأن تجمعات أخرى مثل الإخوان والمتصوفة وجماعة التبليغ والجمعية الشرعية وغيرهم.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول ان تحفظنا على الفكر السلفى ورفضنا له ينبغى ألا يحولا دون اعترافنا بحقه فى الوجود. لكننا أيضا نصر على التمسك بحقنا فى الدفاع عن الوسطية الأزهرية المصرية، وعن اعتبارها الأصل الذى نتشبث به، والذى ينبغى أن يكون الصوت العالى الذى ينطلق من فوق منابر المساجد التى تشرف عليها الدولة.

إذا حاولنا تنزيل هذه الفكرة على أرض الواقع، فسنقول إن للسلفيين مساجدهم التى ينبغى أن تحترم، وأن يرفع جهاز أمن الدولة يده عنها، وليس هناك منطق ولا مصلحة فى تقديم منابر إضافية أخرى كمساجد الدولة لكى يعتلوها ويبشروا بأفكارهم من فوقها. ذلك ان خطوة من ذلك القبيل تفتح الباب لتأويلات عدة، من بينها ان هناك من يشجع التيار السلفى غير المسيَّس بطبيعته لمنافسة الإخوان، أو يحاول توظيف بعض أفكاره لإثارة المسلمين واستفزاز الأقباط، ومن ثم للمساهمة فى إذكاء الفتنة والفوضى فى مصر.

على صعيد آخر، فليس مفهوما ما سمعته من أن السلفيين يستولون بالقوة على بعض المنابر، وهو ما قيل فى تفسير صعود أحد قيادييهم على منبر مسجد «النور» بحى العباسية. إذ لا أفهم ما هى القوة التى يملكونها لتحقيق هدف من هذا القبيل، وحتى إذا صح أن وزارة الأوقاف استولت على المسجد بعد بنائه وتولت الإشراف عليه، فإن لاسترداده من الوزارة أساليب أخرى لا ينبغى أن تكون القوة بينها. إن الوسطية الأزهرية المصرية عصمت البلاد من مزالق كثيرة، فضلا عن أنها جعلت مصر منارة يهتدى بها العالم الإسلامى، ونحن نريد أن نحافظ على اعتدال فكرنا ووسطيته، وعلى وهج تلك المنارة وإشعاعها الوضاء .. أرجوكم.

ثانيا الرد ( دفاع عن الوسطية أم هجوما على السلفية ؟؟ )


عندما تأتيك الطعنة من القريب أو يفاجئك السهم من الخلف من شخص تظن أنه يحمل همك أو بعض همك فإن الألم يتضاعف ليصبح المين على غرار قول الشاعر -وهو طرفة بن العبد-:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ---- على المرء من وقع الحسام المهند.

لطالما ظن البعض أن الأستاذ فهمي هويدي كاتب إسلامي تهمه قضايا الأمة فيبكي لبكائها وتنفرج أساريره إذا انتصرت ولو انتصارا جزئيا , وبعض هذا حق.

وبعضه الآخر يؤسفني أن أقول إنه ظن في غير محله لأن الأستاذ فهمي في كثير من أحايينه كان ولا يزال عبأ ثقيلا على الإسلاميين بل وكان معول هدم في دعوتهم لا عامل بناء مفسدا من حيث يظن الإصلاح مميعا للدين باسم المواطنة ومثله كثير من أصحاب الأقلام التي تندرج تحت مسمى الإسلام الليبرالي العقلاني.

على أية حال فقد طالعنا الأستاذ فهمي بمقال له في جريدة الشروق بتاريخ 13/ 3/2011 بعنوان ((دفاع عن الوسطية المصرية)).. وكان حقيقا به أن يسميه هجوم على السلفية المصرية.. بل وغير المصرية.

وقد احتوى هذا المقال مع قصره على كثير من الأغلوطات والتحريفات والمزايدات المقصودة أو غير المقصودة بعلم أو بغير علم وأمران أحلاهما مر و حيث نعقب على هذا المقال فنحن لا نحكم على النيات الباطنة بقدر حكمنا على الكلمات الظاهرة .. وإن كانت القرائن تدل أحيانا على سوء القصد وفساد الطوية.

يتلخص هذا المقال في حزن الكاتب الشديد على اعتلاء الشيخ محمد حسان((السلفي))لمنبر مسجد النور التابع للأوقاف زاعما أن الشيخ قد أرغم الوزارة على ذلك واستولى على المنبر بالقوة في إشارة تحريضية للأجهزة الأمنية ضد الحركة السلفية متمثلة في خطبائها مشيرا إلى أن السلفيين لديهم ما يكفي من مساجد ولا عذر إطلاقا في تنازل وزارة الأوقاف عن بعض منابرها ليبشر السلفيون عن أفكارهم المتشددة على حد تعبيره.

ولا يفوت الكاتب ذكر بعض الحقائق عن السلفيين من حيث تصوره للمنهج السلفي الذي يدل على قصور في الفهم وعدم اطلاع على أصولهم وثوابتهم فيذكر من تلك الحقائق مثلا:

? أن الفكر السلفي ما هو إلا تجسيد لفكر محمد بن عبدالوهاب الذي أخذه عن شيخ الإسلام ابن تيمية والذي اقتبسه بدوره عن الإمام أحمد بن حنبل ناعتا هذا الفكر بالتشدد في فهم تعاليم الدين دون أن يذكر ما معنى التشدد أو ضوابطه.

? من هذا المنطلق فإن هذا الفكر السلفي المتشدد –بزعمه- هو أبعد ما يكون عن الوسطية الأزهرية ويذكر مشكورا أن تحفظّه ورفضه للفكر السلفي لا يمنعه من حقه في الوجود.

كما أنه ينبغي الإشارة إلى مسألة مهمة في هذا المقال, أنه كان يتكلم بصيغة الجمع فيقول مثلا : "هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول ان تحفظنا على الفكر السلفى ورفضنا له ينبغى ألا يحولا دون اعترافنا بحقه فى الوجود. لكننا أيضا نصر على التمسك بحقنا فى الدفاع عن الوسطية الأزهرية المصرية، وعن اعتبارها الأصل الذى نتشبث به، والذى ينبغى أن يكون الصوت العالى الذى ينطلق من فوق منابر المساجد التى تشرف عليها الدولة."

ولا أدري من ألئك القوم الذين تفضلوا مشكورين بإعطاء السلفيين حق الوجود مع رفضهم لفكرهم ومنهجهم ودفاعهم المستميت عن الوسطية الأزهرية المزعومة في عقولهم وهواجسهم.



أنا أعلم أن أي سلفي يقرأ هذا المقال سينتابه مشاعر متداخلة بين العجب والدهشة وبين الحزن والضحك ولكل شعور مبرره.

مَن مِن السلفيين حصر نهجه وفكره في عقل الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومن قبله ابن تيمية وقبلهما الإمام أحمد بن حنبل؟؟

ألا يعلم الكاتب المبجل أن مصر بها ما لا نستطيع حصره من أتباع المذهب الشافعي ممن ينتهجون النهج السلفي؟؟

وأن بلاد المغرب العربي مليء بالسلفيين المتمذهبين بمذهب مالك؟؟

وهكذا قل في بعض الأحناف ,, فضلا عن أن السلفي يدور مع الدليل حيثما دار غير متعصب لقول أحد كائنا من كان غير رسول الله عليه صلاة الله وسلامه؟



وهناك قضيتان كبيرتان تبنيان على مصطلحين مهمين استخدمهما الكاتب في مقاله وكررهما عدة مرات.

1-قضية التشدد.

2-قضية الوسطية.

ولم يعرف الكاتب ما هو التشدد الذي عناه ولا الوسطية التي قصدها..

فإن كان التشدد هو إعفاء اللحى وتقصير الثياب وعدم الخروج عن ثوابت الدين فلنعم التشدد ذاك التشدد الذي كان عليه خلفاء رسول الله وأصحابه وآله.

وإن كان التشدد هو الدعوة إلى تطبيق شرع الله والرضا به فلنعم التشدد ذاك التشدد المأخوذ من قوله (( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون).

إن كان التشدد هو اختيار المرأة لأن تغطي وجهها عن غير محارمها اتباعا منها لأمهات المؤمنين فلنعم التشدد ذاك التشدد.

وإن كان التشدد هو تسميتهم للأمور باسمها وعدم اضفاء صبغة عصرية بزعهم على مصطلحات شرعية , فلنعم التشدد ذاك التشدد الذي لا يجامل الخلق بغضب الحق فلن نسمي النصارى مؤمنين لأنهم يسكنون في بلادنا,, ولن نصم الجهاد بالإرهاب لأن الغرب أراد منا ذلك ولن نسمي الزنا والخمور بغير أسمائها لأن المتطلبات العصرية والتقدم الحضاري يأمر بذلك!!





أما عن الوسطية فإن كانت تلك الوسطية المزعومة هي فتوى للدول الأوروبية بحقها في منع فتياتها المسلمات من ارتداء الحجاب فبئست الوسطية تلك الوسطية..

وإن كانت الوسطية هي السماح ببيع الخمور للسياح والنصارى وترخيص الحوانيت لذلك بدعوى أنهم غير مسلمين فلبئس الوسطية تلك الوسطية.

وإن كانت الوسطية تفصيل الفتاوي بمقاسات مناسبة لأهواء وأمزجة السلاطين والحكام كمنع ختان الإناث ومنع ارتداء النقاب في الأماكن العامة فأنا كافر بتلك الوسطية.



يا أستاذ فهمي هويدي عرف لنا الوسطية وحدد لنا التشدد وثبت العرش ثم انقش وإلا فكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك..

فالوسطية في مصطلح القوم هي الانحلال والانسلاخ من ثوابت الدين,, والتشدد هو التمسك بنهج المصطفى صلى الله عليه وسلم .



من قال لك إن السلفيين يخالفون الأزهر الحق في الثوابت وطرق التلقي ومناهج الاستدلال لاستنباط الأحكام الشرعية والفتاوي الفقهية؟

ثم...

ألا تعلم أن الأزهر مليء بالسلفيين طلبة ورموزا؟

الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم معه الشهادة الأزهرية .

والشيخ الدكتور عمر بن عبدالعزيز من أساتذة الأزهر.

والشيخ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد من أساتذة الأزهر .

ولو ذهبت أحصي لك الرموز السلفية الأزهرية لطال المقام والمقال.

ألا يحق لهؤلاء أن يعتلوا المنابر الأزهرية بحكم اتباعهم للمنهج السلفي المحظور عندك؟

تلك إذا قسمة ضيزى.



أخيرا أستاذ فهمي هويدي لم يكن هذا مقالك الأول المشبوه في الطعن في السلفيين وفكرهم في هذه الفترة.. ففي مقالك المعنون ب "المتآمرون يتحركون" بتاريخ 10/3/2011 قد تعرضت للسلفيين في طريقة قمئة في إشارة منك إلى ضلوع السلفيين في مؤامرة ضد الثورة ونتائجها فقلتَ "

? الظهور المفاجئ لمجموعات من السلفيين خصوصا فى القاهرة والإسكندرية، الذين خرجوا فى مسيرات خاصة لم تر من قبل طوال أيام الغضب الجماهيرى الحاشد. وهذه المسيرات رفعت لافتات مختلفة عن تلك التى توافق عليها المتظاهرون، والتى كانت ذات طابع وطنى بالدرجة الأولى. فى حين أن لافتات ونداءات تلك المسيرات اتسمت بطابع دينى زايد على الجميع. ولم تكن اللافتات وحدها التى أثارت الانتباه، ولكن توقيت خروج المسيرات واشتباك المشاركين فيها مع فئات المجتمع الأخرى كان بدوره مثيرا للتساؤل والارتياب."



لا أدري إن كان بينك وبين السلفيين ثأر قديم يجعلك تنتفض لمهاجمتهم حينما رأيت ظهورهم .. لكن الذي أعرفه تماما أن الله أمرنا أن نقسط في القول وأن نعدل في الحكم وأن كل كلمة سيسأل عنها العبد..

فاربأ بنفسك يا أستاذ فهمي أن يستخدمك الليبراليون والعلمانيون في مؤامرة قذرة أو يستميلوك إليهم, ولا تركن إليهم فهم المنافقون حقا فاحذرهم..


أعتقد أن هذه بداية لم سنراه فى المستقبل من نقاشات وهذا ليس شيىء سيىء لكن أتمنى ألا نكتب حرف عن أى اتجاه فكرى قبل أن نعرفه جيدا ولا نسمح لأنفسنا أن نضلل المجتمع كما كان يحدث سابقا