بات ليلته يتقلب على فراشه، بانتظار الموعد .. ولما أزف، نالت منه غفوة لذيذة مأربها .. لكن نسيمًا تسلل
إلى وجنتيه يحُلّ عنه أذرع تلك الغفوة المشتبكة ... لينتفض متذكرًا الموعد .. قبل الفجر بساعتين ..

يسير على أطراف أصابعه لئلا يؤذي إخوته الحجيج النائمين ... يتخطى في غيهب حتى يصل دورة المياه - ولكم الكرامة - ليتهيّأ .. فوفد الحبّ حاديه الشوق .. يصل .. ولكن ... لقد وصلوا قبله... متى استيقظوا .. ؟!


لقد وجد من هو أكثر شوقًا للموعد .. تهيّؤوا .. وعادوا إلى الخيام ليوقظوا من بقي نائمًا .. لسان حاله ماذا تنتظرون؟ نيام إلى الفجر ؟


يوقظونهم ... يتململ أولئك .. ويسحبون ألحفتهم ... فالنوم لذيذ .. لكن اللقاء ألذّ!!!
يُكبّر ويلبّي المشتاقون .. بصوت ينفذونه تلك الآذان الذي ضرب عليها النوم أطنابه .. فلا يُبقى بعدها نائمًا!!

يستيقظ النائمون ملبّين مكبّرين معهم ... يسعون سعيًا للتهيؤ.. يصطفون جميعًا ليؤدوا صلاة الفجر
منصتين لقراءة هادئة بينة من إمامهم .. تُحدّر دموع المشتاقين .. فقد طال البعد .. وقرب في بعده المنال!

يبقون في مصلاهم ذاكرين شاكرين مكبّرين ملبّين ... حتى ترتفع الشمس جدًّا .. تحكي إشراقة الأمل في وجدانهم ..

عندها يُنادَون : هلمّ إلى الإفطار ... أي إفطار ؟ متى سنذهب إلى عرفات؟!!
بعد الإفطار سنستقل الحافلة .. فينضوون إلى أماكنهم والذكر لا يفارقهم .. خفّت أرواحهم تكسّر طينية طالما استحوذت عليهم ...

يجيل بصره .. ذا يحتسي شايًا .. وذاك قهوة .. وآخر بضع تمرات بيده .. وربما وجبة خفيفة آثر أن يتقوى بها آخر..

أما هو فجلس بجوار باب الخيمة .. ينتظر المنادي ...
نادى المنادي ليتجه الجميع إلى الحافلة!!








الحافلة رقم ( 1 ) الحجاج من رقم 7 - 40 صعدوا أمامه وكأن روحه صعدت معهم .. فلم يكن رقمه بينهم
والثانية والثالثة .. كاد يصرخ: وأنا .. حتى نادوا ركاب الحافلة رقم 6

صعد أهلها ... وهو باهتٌ مكانه، فنادى عليه بعض رفاقه .. ما بك؟ هيا سننطلق!

يسعى إلى الحافلة ،، يرقى سلّمها ويبحث عن مقعده ... ويستقر عليه .. وتتحرك الحافلة ...
لا تسمع للحجيج همسًا إلا التلبية والتكبير ... وعينا ذاك المعنّى كانتا قد تعاقدتا مع الدموع ألا يبرحا!

فلا تسأل عن الطريق وروعته .. حاج راجل .. وحاج راكب .. كلهم من كل فج عميق صوب الموعد.. عرفات!

وهناك ... سننظر ماذا يكون؟
وودّع عرفات... نظر إليها بطرف كلّ بكاءً ... وقلب مُلئ رجاءاً بتحقق موعود الله - جلّ وعلى -
" أشهدكم أني قد غفرت لهم".. وأنه كُتب من السعداء الذين باهى الله بهم ملائكته " ما أراد هؤلاء؟"



تذكّر وغيث يفيض في نفسه حتى أمسى كالطوفان .. يُغرق فيه كل خطيئة وذنب وإصرار على منكر أو مظلمة..
لقد عاد في ركب الحجيج .. وهو يتذكر الموقف بعد انتهاء الحساب يوم القيامة .. مهابة الموقف زلزلت منه كل شيء

تذكر لما وطئت قدمه ضحى اليوم طهارة عرفات ... وهو ينظر أهذه ساحة الرحمات؟!
أهنا حيث يُرغم الشيطان ويُخزى ويُدحر؟!

كم من هالك .. نجى هنا ؟! ... وكم ممن أذلته الذنوب فألقى نفسه قبل خطاياه ذليلاً .. فأعزه الله هنا؟!

شخص ببصره إلى السماء .. وكأنه ينظر الرحمات التي ستنزل على العباد..

أشاح بوجهه وهو ينظر إلى الوفود تفيض من عرفات .. تعلو وجوههم بشاشة وتعلو محياهم سعادة عجيبة
رغم الجهد والتعب .. وتذكرهم قبل قليل وقد أخذ كلٌّ موقعًا .. فرافع يديه إلى السماء حتى بدا بياض إبطه مبتهلاً
راغبًا ... وذاك غطى وجهه بيديه لا يدري ما يدعو وما يقر ويعترف وما يطلب إلا ربه - سبحانه وبحمده -
وآخريلهج بالدعاء الذي يقطّعه نحيب التذلل والرجاء ... !

هؤلاء هم ذاتهم الذين ينصرفون الآن .. دافعين إلى المزدلفة ..
رجوا ربًّا كثُر خيره وزاد .. حامدين أن سهّل لهم طريق الطاعة..

تسارعوا وتسابقوا للحظوة عنده.. وهل يُردّ منهم أحد؟!

فانفتق منهم ما رتقته ظلمات الغفلات... جددوا عهد الاستسلام ... وجردوا التوحيد...
وأفاق من أفاق من سكرة التباعد..... فكأنهم يقولون يارب لن نُفقد حيث ترضى ، ولن نُوجد حيث تأبى ..!

لن نحكّم سوى شرعك ، ولن نتحاكم إلا لأمرك!
سنحفظ وصيتك ... ونعمل بطاعتك ... قد غصصننا بمرارات الجفاء والبعد ... وذقنا اليوم رحيق الوصال والقرب
ما حيينا .. أشهدوا الله على توباتهم .. عزموا على رد المظالم ... وهجر طرق البطّالين..!

واهتموا لأمر أمتهم ... وعزموا على أداء الأمانة على وجهها .. وكل مسئول سيرعى رعيته ويأخذها بما فيه صلاحها!

عادوا من جهاد ... إلى جهاد!!

كلّ عاهد على الخير .. ووعد .. وأودع .. وودّع .. !

وداعًا عرفات ... !!

بتصرف يسير

كلمات تذيب القلوب فأحببت أن تشاركوني هذه المشاعر

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام