آثار قيم الإسلام الخلقية في صياغة المجتمع المسلم (5- 8).

- ومن ذلك الحرص على إقامة العدل بينهم ، فكلهم أمام أحكام الله وحدوده سواء ، لا فرق في ذلك بين شريفهم ووضعيهم، وقويهم وضعفيهم .
وقد أكد عليه الصلاة والسلام على ذلك وحذر من التهاون فيه ، أو الإخلال في تنفيذه، فذلك بريد الفساد ونذير الهلاك . فعن عائشة رضي الله عنها: أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكلمه أسامة، فقال رسول لله صلى اله عليه وسلم: " أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب فقال:" أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة (1) بنت محمد سرقت لقطعت يدها(2) "
وبعد فلم تقتصر آثار ممارسته وتوجيهاته الخلقية على أصحابه رضوان الله تعالى عليهم فحسب, بل تعدت ذلك لتشمل الأمة بأكملها, فشريعته للعالمين, وأوامره للناس أجمعين, فندب إلى أمور وترك الإلزام بها, ورغب في أمور قد لا تعجز أو تشق على أصحابه لو ألزموا بها؛ لقوة هممهم ونفاذ عزائمهم, وحرصهم على الخير, بخلاف غيرهم ممن أتى بعدهم.
- فمن شواهد رحمته عليه الصلاة والسلام بأمته ندبه إلى السواك وعدم إيجابه, وعلل ذلك بخشية المشقة على الأمة, قال عليه الصلاة والسلام:" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (3) ".
- ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يدع العمل من أعمال البر من النوافل مع محبته له ورغبته التقرب إلى الله به فيتركه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم, وقد حدث هذا في صلاة الليل من رمضان. فعن عائشة رضي الله عنها :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس, ثم صلى من القابلة فكثر الناس, ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال:" قد رأيت الذي صنعتم, ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم, وذلك في رمضان (4) ".
وصدق الله تعالى إذ يقول في وصفه ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (5) ).
وقد كان من ثمار ما أكرمه الله تعالى به من الرسالة, وحباه من خلق عظيم, أن أحبه أصحابه رضوان الله تعالى عليهم محبة عظيمة لهجت بها الألسن, وصدقتها المواقف والأعمال.
وكهذا أثمرت أخلاقه عليه الصلاة والسلام قيما خلقية أخرى من أصحابه وأتباعه, من محبة وتعظيم ونصيحة وغيرها.
فمن ذلك :
- لما خرج المشركون بخبيب بن عدي(6) موثقا بالحديد ليقتلوه, فلما وضعوا فيه السلاح ونادوه وناشدوه: أتحب محمدا مكانك؟ قال:لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه(7) ".
- بل بلغ من حبهم وتعظيمهم له عليه الصلاة والسلام حدا بهر أعداءه, وأذهل الجاهلين به, قال عروة بن مسعود الثقفي(8): والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر(9) وكسرى(10) والنجاشي(11) ,والله إني ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا, والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده, وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه, وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده, وما يحدون إليه النظر تعظيما له(12) .