- ومن ذلك اعطاؤه عليه الصلاة والسلام المؤلفة قلوبهم, وهم الذين أسلموا حديثا من أهل مكة والقبائل حولها "فأعطى - يوم حنين – رجالا من أشرافهم المائة من الإبل(1) ".
وقد أشار عليه الصلاة والسلام في مناسبات عدة إلى الحكمة من هذا الإعطاء أمثاله. فقال للأنصار في تلك الغزوة" أن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة, وأني أردت أن أجبرهم أتألفهم ..(2) ".
وقال في غيرها لسعد بن أبي وقاص وقد أشار بإعطاء رجل, قال:" إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكبّ في النار على وجهه (3) ".
- ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام معهم صبره على أذاهم, وكان ذلك منه تأليفا لقلوبهم, وحتى لا ينفر منه غيرهم(4) .
- فمن ذلك ما روى ابن مسعود رضي الله عنه قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة .., فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله. قلت : أما لأقولن للنبي صلى الله عليه وسلم . فأتيته – وهو في أصحابه – فساررته , فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وتغير وجهه وغضب , حتى وددت أني لم أكن أخبرته . ثم قال : " لقد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر(5) ".
ومن ذلك أيضا ما روى أنس رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله علبه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية , فأدركه أعرابي , فجبذه إلى ردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى اله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته, ثم قال:يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك , فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, فضحك ثم أمر له بعطاء(6) ".
وهكذا لم يكتف عليه الصلاة والسلام باحتمال جهله والعفو عن سيئته حتى قابله بالإحسان, وتألفه بشيء من الدنيا .
- ومن مظاهر عنايته صلى الله عليه وسلم بالقيم الخلقية في معاملة أصحابه, أخذه بالشورى, وهو الغني عنها بالوحي, ولكن أراد تألف القلوب وتوجيه الأمة.
قال القرطبي في قول الله تعالى ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) (7): "قالت طائفة : ذلك في مكان الحروب, وعند لقاء العدو , وتطييبا لنفوسهم ورفعا لأقدارهم وتألفا على دينهم , وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه... وقال قتادة(8) وغيره : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يشاورهم في الأمر , فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم,وأطيب لنفوسهم .
وقال قتادة والضحاك(9) : إنما أراد الله أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ولتقتدي به أمته من بعد(10) " .
ولعل كل هذه المعاني مرادة في المشاورة , وإذا أضيف إلى ذلك أن أهل المشاورة هم سادات الناس ووجهاؤهم تبين معه شموله عليه الصلاة والسلام الجميع بإحسانه كلا بحسب منزلته وما يصلحه ويصلح له .
وقد أخذ عليه الصلاة والسلام بهذه القيمة في مقامات عديدة , فمن ذلك :
- أنه عليه الصلاة والسلام شاور أصحابه , حين بلغه إقبال أبي سفيان يوم بدر فلما علم موافقتهم على القتال سار بهم للقاء العدو(11) .
- كما استشارهم في الخروج أو البقاء في المدينة يوم أحد(12) .
- واستشارهم يوم الخندق , فأشار عليه سلمان بحفر خندق يحول بين العدو والمدينة ، فأمر به عليه الصلاة والسلام(13) . وغيرها كثير ومعلوم من سيرته عليه الصلاة والسلام.
بل قد أخذ بهذه القيمة حتى في أموره الخاصة، فعندما قال المنافقون في عائشة رضي الله عنها ماقالوا في حادثة الإفك المشهورة ، استشار عليه الصلاة والسلام علياً وأسامة بن زيد(14) في فراق أهله، فأشار عليه علياً رضي الله عنه أن يفارقها، وأشار أسامة بإمساكها ، ثم أنه عليه الصلاة والسلام صبر حتى أنزل الله براءتها (15) .