Follow us on Facebook Follow us on Twitter Linked In Flickr Watch us on YouTube My Space Blogger
التسجيل
النتائج 1 إلى 9 من 9

مقومات الوعي والبصيرة

هذا الموضوع : مقومات الوعي والبصيرة داخل القسم الإسلامي والدينيالتابع الي قسم ملتقى الأعضاء : هل حدث لك، وقد انقطع التيار الكهربائي ذات يوم، أن شعرت بما يشبه العمى المفاجى، وريثما تذهب لجلب الشمعة أو ...

  1. #1

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    مقومات الوعي والبصيرة

    هل حدث لك، وقد انقطع التيار الكهربائي ذات يوم، أن شعرت بما يشبه العمى المفاجى، وريثما تذهب لجلب الشمعة أو المصباح اليدوي فأنت تتخبّط في الغرفة، وقد تصطدم بهذا الكرسي وبهذه الآنية وبذاك الجهاز، وقد تتكسر أشياء وقد ترتطم بساق منضدة فتؤلمك ساقك. فإذا أشعلت الشمعة أو المصباح اليدوي، أنير المكان من جديد واتضحت الرؤية وانعدم الارتطام؟
    وربّما حدث لك أيضاً أن تسير في طريق لم يسبق لك أن سرت فيه سابقاً، فلا تجد إشارات مرور وعلامات فارقة ولا معالم واضحة تبيّن لك مسارك الصحيح، فإذا تجاهلت ذلك وبقيت تسير في الطريق المجهول، فإنّك – والحال هذه – تزداد بعداً عن الهدف، ولذا قيل: «السائر على غير الطريق لا تزيده كثرة السير إلّا بعداً».
    وقد يحدث لك أو لأصدقائك أن تكون في رحلة خارجية، وتريد الوصول إلى مكان معيّن فإنّك إمّا أن تسترشد بمرشد أو دليل يعرف الطريق، أو أن تشتري خارطة مرورية تكشف لك مداخل ومخارج الطرق، وأطوال المسافات الموصلة بين مدينة ومدينة،ومكان وآخر.
    وقد تهتدي إلى المدينة المطلوبة، لكنّك حتّى تتعرّف على معالمها بالتفضيل لابدّ لك من دليل سياحي يقودك إلى معارضها وأسواقها ومتاحفها ورياضها وأماكن النزهة والتسلية فيها، ومكتباتها، وإلى غير ذلك. وقد تستعين بمسافر سبقك إلي تلك الديار فتأخذ منه المعلومات المطلوبة لئلّا تدخل المدينة كالأعمى.
    وأنت تعرف من خلال دراستك، كيف أنّ الانسان الذي يعيش في الصحراء وينتقل من مكان إلى آخر حيث الماء والكلأ، ولا من أعمدة للضياء ولا من خارطة يستدل بها، وإنّما يسترشد بأشياء أخرى. فضياؤه النجوم، وخارطته أو اشارات مروره مواقعها، والقافلة لا تسير إلّا ودليلها معها، وهو الشخص العارف بمالك الطريق وشعابها ومواقع النجوم ومساراتها، ولذا فهو يسير والقافلة تسير خلفه، ولو أضلّ الطريق ضلّت القافلة كلّها معه، وقد قيل قديماً: «إنّ الرائد لا يكذب أهله» أى أنّه موضع ثقتهم واعتمادهم خاصة إذا طلبوا منه أن يستطلع أو يستكشف طريقاً لم تُسلك من قبل.
    وهذه الأمثلة كلّها تدلّل على أنّ عيون الانسان ليست كافية وحدها لتعرّفه المجاهل، فالشمعة، والمصباح اليدوي، والبوصلة، والخارطة والدليل السياحي ومواقع النجوم، كلّها عيون أخرى نبصر بها، أو أدلّاء على الطريق ومعالم الأمكنة وتفاصيلها.
    - هل سيأتي اليوم الذي نستغني فيه عن الدليل؟
    - لا أظنّ.
    - لماذا؟
    - لأن عيوننا ومعرفتنا لا تكفي، فالطريق إلى كل شيء يحتاج إلى دليل، حتى إذا كان هذا الشيء جهازاً جديداً لم نستخدمه من قبل، فلابدّ من دليل يوضّح لنا كيفية استعماله، وموارد استعماله، واحتمالات الخلل وما شابه ذلك.

    البصر.. والبصيرة:
    حاسّه البصر نافذة من نوافد المعرفة، فبها نرى الأشياء التي تقع تحت نظرنا فنميّزها تمييزاً أوّلياً، لكنّ الاعتماد على البصر وحده في التشخيص والتمييز والمعرفة غير كافٍ، إذ لابدّ من مرجع آخر نرجع إليه في رفع الالتباس والغموض، أي إنّنا بحاجة إلى (ضوء) آخر نكشف به الظلمة العقلية، وهذا الضوء هو (البصيرة).

    ما هي البصيرة؟
    هي هذه القدرة على الرؤية الصحيحة المتشكّلة من عقل الانسان وثقافته وتربيته وتجربته ودينه، وهي ما نصطلح عليها اليوم ﺑ(الوعي)؛ فقد يكون الانسان ذا بصرٍ حادّ لكنه ذو بصيرة كليلة ضعيفة، ولذا اعتبر القرآن أن رؤية البصيرة أهم بكثير من رؤية البصر وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ وَلَكِنْ تَعْمى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ (الحج/ ٤٦).
    وكما أنّنا لا نستطيع أن نبصر في الظُّلمة حيث تتشابه الأشياء، أو إنها تصبح أشباحاً يمكن تمييز بعضها عن بعض، فكذلك إذا فقدنا البصيرة فإنّنا نتورّط في التشخيص الخاطئ للأشخاص وللأمور. وهذا هو الفرق بين انسان صاحب وعي وبصيرة، وآخر عديم البصيرة. فالأوّل لا يقع ضحيّة الخداع والتغرير والتزوير، والثاني عرضة لذلك كلّه.
    أمّا النموذج الآخر فهو الانسان العاقل الذي يعي الواقع ويدركه ويعرف الناس من حوله، أي أنّ لديه القدرة على التمييز بين ما هو مستقيم وما هو منحرف، وما هو عدل وما هو ظلم، وما هو حق وما هو باطل، فالخير منه مأمول لأنّه مستقيم في فكره وفي عمله.
    النموذج الأوّل إذن هو النموذج السالب الذي لا يعطي للحياة شيئاً بل يتسبّب في المتاعب لنفسه ولغيره. والنموذج الثاني هو النموذج الموجب الذي يأخذ من الحياة ويعطيها، وقد صوّر القرآن المائز بين الإثنين في قوله تعالى:
    ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس/ ٣٥).
    وفي قول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الملك/ ٢٢).
    إنّ الجواب على التساؤلالقرآني واضح، فالذي يمشي سوياً ببصره وبصيرته أهدى من المنكبّ على وجهه الذي لا ينتفع ببصره في المشي ولا ببصيرته لأنّ السير على الطريق المستقيم لا يحتاج فقط إلى عينين مفتوحين وإنّما إلى عقل مفتوح ايضاً، أما رأيت لو أنّ السائق غفل عن الطريق وشرد بانتباهه إلى مكان آخر، لم تنفعه عيناه في ضبط السير حتى يعود إلى وعيه؟
    وإذن فإنّ الاعتماد على البصر – حتى في الأمور البصرية – غير كافٍ، فأنت حينما ترى قصراً أثرياً ترى منظره الخارجي، أي طراز البناء وشكله وهندسته، لكنّ البصيرة تتدخل لتنقلك إلى مَنْ بناه ومَنْ سكنه لتحصل لديك حالة (الاعتبار) بالآثار.

    كيف تتكوّن البصيرة؟
    هناك عدّة أمور أو عوامل تساهم جميعها في تكوين البصيرة وتشكيل الوعي لدى الانسان، وهي:

    1- امتلاك أدوات المعرفة:
    يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل/ ٧٨). وهذه الآية تحدد لنا أدوات المعرفة الحسّية وهي (السمع) و(البصر) وأداة المعرفة العقلية وهي (الفؤاد) فما لم يدرك بالحس يدرك بالعقل، أي ما يمكن رؤيته بالصبر يمكن رؤيته بالبصيرة، وذلك هو طريقنا لمعرفة الله سبحانه وتعالى، فنحن لم نره بالأبصار ولكننا رأيناه بالبصائر، وقد ساعدتنا أبصارنا في ذلك من خلال التعرّف على آثار وعظيم صنع الله وقدرته.
    إنّ امتلاك أدوات المعرفة الحسّية من (سمع) ومن (بصر) يمكن تشبيهه بامتلاك الأدوات المختبرية التي تمكننا من إجراء التجربة، أمّا المعادلات والتفاعلات وخطوات التجربة واستخلاص النتائج الدقيقة فترشدنا إليها أداة المعرفة الأخرى وهي (العقل).
    فلأجل أن تنمّي بصيرتك ووعيك للدرجة التي تتمكن فيها من الوصول إلى التشخيص الدقيق والرؤية الواضحة للأمور، لابدّ من أن تنمّي أدوات المعرفة التي أودعها الله فيك والتنمية تاتي من خلال التمرين والممارسة.



    2- الاهتداء بهدي دين معيّن:
    أدوات المعرفة السابقة لا تكفي حتى تتشكل لدينا الرؤية الصائبة والواضحة، إذ لابدّ من منهج أو (خط سير) أو منظومة فكرية شاملة نرجع إليها في التشخيص المبهم والملتبس، وتحديد خياراتنا على ضوئها. ولذا كانت الرسالات السماوية بمثابة (عقل خارجي) يضاف إلى ما لدينا من (عقل داخلي) وبتضافر العقلين نكتسب الوعي والبصيرة، ولمّا كانت عملية (الإيمان) هي عملية إخراج من (الظلمات) إلى (النور) فإن نور العقل بحاجة إلى نور الإيمان لتبديد الظلمات التي تواجهنا، تماماً كما تحتاج في الظلمة الحالكة إلى اكثر من شمعة أو مصباح حتى تتجلّى لك الأشياء بوضوح.
    يقول الله تبارك وتعالى عن القرآن: ﴿ذَلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة/ ٢)، أي، هدى للمبصرين وللعاقلين وللعارفين حتى يزدادوا بصيرة وعلماً ومعرفة ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ (النور/ 35).


  2. #2

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة


    3- التجارب الحياتية:
    مثلما يتعظ الطفل بمرور الأيام إذا اكتوت يده بالنار، وعرف بالتجربة الحسّية أنّ النار محرقة فلا يعود يضعها على أيّة نار، وليس فقط النار الأولى التي أحرقت يده، فكذلك الحال في واقع الكبار، وبدرجة أكبر من الوعي والاستبصار لكون مداركهم أوسع.
    فالتجارب المرّة والقاسية تضيف إلى رصيد البصيرة زخماً جديداً، ولذا فإنّنا لا نقول: «المؤمن لا يلدغ من جُحر أبداً» وإنّما نقول: «المؤمن لا يلدغ من جحر مرّتين» أي أنّ التجربة علّمته أنّ الجُحر[1] الذي لدغ منه يجب أن يحاذره مستقبلاً فلا يضع يده فيه، وإلّا فهو غافل جاهل لم ينتفع لا بنور عقله ولا بنور إيمانه ولا بنور تجربته، ولذا قيل: «في التجارب علمٌ مستفاد».
    ولو لا أنّ التجارب – حتى تجارب الآخرين – نافعة لما كان القرآن قد ذكر لنا تجارب الأمم الماضية وقصّ لنا قصصها لنعتبر بها، فالتجارب الانسانية تتنافذ على بعضها البعض، وهي ثروة معرفية تموّن بصيرتك بأنوار وعي، أو أرصدة وعي إضافية.

    4- توطيد العلاقة مع الله سبحانه وتعالى:
    لا شكّ أنّ أدوات المعرفة من سمع وبصر وعقل، والمنهج الفكري والعملي الذي تمثله العقيدة والشريعة، والتجارب الانسانية التي تمثل حركة الانسان في الحياة، كلّها تسهم في صناعة الوعي وترشيده وتوطيد أركانه، لكنّ العلاقة الوطيدة مع الله عزّ وجلّ سواء من خلال معرفته وحبّه وطاعته، أو من خلال اتّباع ما جاء به أنبياؤه، تفتح للبصيرة آفاقاً أوسع وأرحب.
    تأمّل في الآيات الكريمة التالية:
    - ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (العنكبوت/ 69).. والهداية إلى السبل بصيرة.
    - ﴿وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ﴾ (البقرة/ 282).. والتقوى[2] والورع بصيرة.
    - ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدًى﴾ (الكهف/ 13).. والإيمان بصيرة.
    هذا فضلاً عن أنّ الإلتجاء إلى الله في السرّاء والضرّاء، أي في أوقات الرخاء وأوقات الشدّة، وحسن الظنّ به، والتوكيل عليه، والثقة به، كلّها روافد تغذية للبصيرة، فأنت ستجني من تعميق العلاقة مع الله ما لا تجنيه من العلوم كلّها والمعارف كلّها، وصفاء بصيرتك لا يحصل إلّا إذا كان بينك وبين الله ميثاق، ولذا قيل: «اتّقوا فراسة المؤمن» ففراسته رشحة من رشحات إيمانه وليست فقط نتيجة من نتائج فكره وعلمه.

    مقومات الوعي:
    تلك كانت الأنهار الكبيرة التي تصبّ في خليح البصيرة، وثمّة روافد تتفرّع عن هذه الأنهار يمكن رصدها في النقاط التالية:

    1- المعرفة بطبيعة العصر:
    ففي الحديث: «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» واللوابس هي المبهمات أو الملتبسات من الأمور التي تحصل نتيجة عدم وضوح الرؤية وغياب القدرة على التشخيص، وكان يقال لفاقد البصيرة (إنّك ملبوس عليك) أي أنّ الالتباس قد غطى على عيني عقلك فلم يعد يبصر أو يميّز جيِّداً، وهذا ما قاله علي 7للحارث الهمداني الذي أضاع الطريق لمعرفة الحق وتمييزه عن الباطل: «إنّك امرؤ ملبوس عليك إنّ دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله»[3]. فإذا استقامت المعرفة بطبيعية العصر وايقاعه ولغته، اتّضحت الرؤية وزال الضباب.

    2- القدرة على الفرز والتمييز:
    وقد تلتبس الأمور والأشخاص والعناوين على بعضنا لأنّ قدرته على الفرز والتشخيص بين مَنْ هو صادق ومَنْ هو كاذب، أو مَنْ هو على الحق ومَنْ هو على باطل ضعيفة، لذلك تراه يقع فريسة الخداع والتضليل.
    أمّا إذا كان ذا بصيرة نافذة فإنّ مقدرته على التمييز ستكون كبيرة، بمعنى انّه سيتمكّن من تصنيف الناس فلا يضعهم جميعاً في خانة واحدة.
    وهذا أسلوب قرآني، فالقرآن يستخدم التصنيف، فيقول عن بعض الشاذين، أو المنحرفين (ومن الناس مَنْ) أي أن هناك فئة من الناس لا تلتزم الحق وتعمل بالباطل، أو تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، وما إلى ذلك، حتى لا تختلط التقييمات فيصبح الناس سواء المحسن كالمسيء.
    وخير تعبير عن امتلاك الوعي الكامل والبصيرة النافذة التي لا تهتز أمام الإلتباسات، ما قاله أمير المؤمنين علي بن ابي طالب 7: «وانّ معي لبصيرتي لا لُبّستُ ولا التُبس عليَّ» أي إن مَنْ كان تلميذاً لمدرسة الاسلام والقرآن والنبوّة لابدّ أن يكون واعياً للدرجة التي لا ينطلي عليه شيء، ولا يداخله شك مما هو فيه من قناعات.


    1- التوافر على الأدلّة والبيِّنات:
    هل تريد أن تكون منهم؟
    أصحاب البصائر أصحاب حجج وبراهين وشواهد مقنعة، فهم لا ينطلقون إلّا من وعي ولا يتحركون إلّا بوعي، ولا يحكمون إلّا بدليل، ولا يشهدون إلّا على ما رأوه بأمّ أعينهم، حتى أنّ رجلاً جاء إلى رسول الله 6وقال له: كيف لي يا رسول الله أن أشهد على شيء إنّه الحقّ؟
    وكانت الشمس ساطعة في رابعة النهار، فقال له رسول الله 6: «على مثل هذا فاشهد أو فدع» أي إمّا أن تشهد بالحقيقة كما هي وكما رأيتها عياناً، أو إذا كنت شاكاً أو متردداً فلا تشهد لأنّك قد تقع في الظلم.
    فقد يحصل أن معلماً يريد تأنيب تلميذ كتب شيئاً على اللوح، فإذا لم تكن متأكداً من أن فلاناً هو الذي كتبها وقد رأيته بعينك، فمن العدل أن تقول لم أره، ولا تقول أظنّ أن فلاناً فعلها، فالظن لا يغني من الحق شيئاً.
    وجاء رجل إلى الإمام جعفر الصادق 7 وسأله كيف يمكن أن يرى الحقيقة، فقال له: كما ترى كفك! أي أن يكون الشيء ماثلاً أمام عينيك فلا يتطرق إليك أدنى شك.
    من ذلك نفهم، أنّ صاحب الوعي والبصيرة لا يقول على شيء أنّه حقّ، وعلى آخر أنّه حقيقة إلّا بعد أن تكون علائم الحق والحقيقة واضحة كالشمس أو ككفّه.

    2- الربط بين المقدمات والنتائج:
    حتى تكون بصيراً واعياً لا تختلط عليك الأمور لابدّ من أن تدرس المقدمات جيِّداً لأيّ قضيّة أو حدث أو خبر أو غير ذلك، اي أن تكون كالمحامي أو القاضي الذي لا ينظر للنتائج بمعزل عن المقدمات، وإنّما يتوصل إلى بعض استنتاجاته من خلال قراءة دقيقة للمقدمات والأولويات المتوافرة بين يديه.
    خذ مثلاً التسامح الأخلاقي في الضوابط التي يتعيّن على الرجال والنساء الالتزام بها كمتدينين وملتزمين بالخط العام للاسلام، فإذا رأيت انفلاتاً في هذا الجانب، وعدت إلى تتبّع الأمر جيِّداً لرأيت أن ثمة تسامحاً أخلاقياً أسرياً، أو أن أصدقاء السوء أو قل قرناء السوء يلعبون دوراً خطيراً في ذلك، وأنّ المناخ السائد متساهل بغضّ الطرف عن كل ما يصدر من هذا الجنس أو ذاك، وإذا بك تخلص إلى نتيجة أن هذا (الانفلات الصغير) هو جزء من (انفلات كبير).
    الوعي إذاً يحتاج إلى حالة شبيهة بدراسة المحامي أو القاضي لملفات قضية معيّنة، فلا يمسك بخيط ويترك الخيوط الأخرى، وعلى ضوء القراءة المتعمقة للملفّ ولأوراق القضية وأصحابها وملابساتها،تكون النتيجة، الأمر الذي يطلب صبراً كافياً وصدراً واسعاً.. فالبصائر لا تصنع مع العجلة، وإنّما تأتي مع الأناة والتريث والتدقيق والتحقيق.

    5- التمييز بين (السماع) و(الرؤية):
    في الحديث: «بين الحقّ والباطل أربعة أصابع، الباطل أن تقول سمعت والحقّ أن تقول رأيت». فبعض الشبان والفتيات يصدقون كلّ ما يسمعون، ويسلّمون بكلّ ما يصل إلى أسماعهم، ويثقون بكل قول دون تمحيص ولا فحص دقيق لا للقائل ولا للقول.
    القرآن الكريم ينهى عن التصديق الخالي من التثبّت والتحقيق ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمينَ﴾ (الحجرات/ ٦)، والتبين هو التدقيق والتوثيق قبل التسليم والتصديق.
    هل تريد أن تكون من أصحاب الوعي والبصيرة؟
    أصحاب البصائر والوعي الراجح لا يصدقون الأقوال على علّاتها ولا يأخذونها على عواهنها، أو أخذ المسلّمات والبديهيات، وإنّما يطرحون أسئلة تقودهم إلى معرفة الحقيقة:
    مّنْ هو القائل؟
    وماذا قال؟
    ولماذا قال ذلك؟
    وأين قاله؟ ومتى؟
    وماذا عن اقواله السابقة؟
    ومَنْ كان شاهداً على ما قال؟ وكيف قاله؟ أي في أيّ سياق جاء؟..إلخ. ذلك لأنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ترفد البصيرة بزخم من الوعي كبير. ولذا قيل: «ليس راءٍ كمن سمعا» لأنّ الرؤية العينية شهادة حضور وليست شهادة غيابية، والسماع نقل والنقل ليس دقيقاً دائماً، بل غالباً ما يتدخل الناقل في تحويره وتزويقه وزيادته أو الحذف منه، ولو قارنت ما سمعت وما قال القائل لرأيت الفرق واضحاً.
    وفي ذلك يقول الشاعر:
    سمع الناس من الناسِ وغضّوا الأعينا
    فاستحالوا وأنا من بينهم اذني عيناً وعيني أذناً
    ولأجل أن تكون البصيرة مستنيرة أكثر، فإنها أحياناً تأخذ القول مجرداً أو بمعزل عن قائله بناء على التوصية «اُنظر إلى ما قيل لا إلى مَنْ قال» فقد يكون في القول حكمة ولكن قائلها لا يعمل بها، فلتكن أنت المستفيد من حكمته، ولذا جاء في الحديث: «الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذها ولو من منافق».
    الوعي يتطلب أن أميّز النفاق والمنافقين لكنّه لا يمنعني من الإفادة من كلمات حق أو كلمة تأتي على السنة أهل النفاق.

  3. #3

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة



    6- معرفة المعيار:
    إذا غاب المعيار أو المقياس أو الميزان، وإذا تعدّدت المقاييس وأصبحت خاضعة للأمزجة والأذواق والإجتهادات الشخصية، غابت البصيرة أو تلاشت.
    فالوعي لا يقوم إلا على معايير واضحة ودقيقة، فحينما يلتبس الأمر على أحد المقاتلين في صفوف جيش الإمام علي7 في معركة (صفين) فلا يدري هل الحق إلى جانبهم أم إلى جانب عدوّهم، يقول له الإمام: «إنّك لملبوسٌ عليك، اعرف الحقّ تعرف أهله، وأعرف الباطل تعرف أهله».
    وقال لآخر: «إنّما يُعرفُ الرجالُ بالحقّ ولا يُعرفُ الحقُّ بالرجال». أي أنّ الحقّ هو المعيار وليس الأشخاص مهما انتصروا للحقّ أو انتصر الحقّ بهم، أللّهمّ باستثناء الأنبياء والأوصياء : فهم أهل الحقّ الذي لا ريب فيه، أي أنّ الحق لا يمكن فقط أن يكون صورة معلّقة في الذهن إذ لابدّ من تجسيد أو صورة حيّة للحق المتحرك الناطق، و أولئك هم الأنبياء :.
    اعرف المقياس أو المعيار الذي تقيس به الأمور.. ولتكن لديك مسطرة تقيس بها.. وإلّا تشابكت عليك الأمور واختلطت، إذ لابدّ للوعي من معايير يعتمدها وإلّا لما قيل عنه إنّه وعي.

    7- الحريّة والاستقلال:
    لا يمكن أن تكون بصيراً واعياً وأنت مكبّل تعيش الانقياد والتبعية لغيرك، فالوعي يتطلّب الهواء الطلق ليتنفّس فيه، لأن كلام الناس وعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم تشكّل ضغوطاً وشروطاً قاهرة تحدّ من حريّة التفكير واستقلاله. وإذا حدّدت الحريّة أو قيّدت البصيرة فإنها تكون بين أحد خيارين: إمّا أن تطفئ أنوارها لتغط في الظلام، وإمّا أن تكون (إمّعة) تساير الناس، والمسايرة انقياد أعمى وليس بصيرة.
    إنّ (العقل الجمعي) يشوش على البصيرة كما يشوش الطيران على الرادار؟ وحتى تعود بصيرتك نقية رائقة لابدّ من العودة إلى الذات والتأمل والتفكير بينك وبين نفسك أو بينك وبين مّنْ تثق بوعيه وقدرته على التشخيص ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سبأ/ 46).

    8- الاختبار والتمحيص:
    لا يستند البصير الواعي ذو النظرة البعيدة على المشاهدات الخارجية فقط، فقد تلتقي بشخص يمتدح نفسه وكفاءته كثيراً، فإذا اعتبرت قوله شهادة مقبولة وغير مجروحة، فربّما غرّر بك وخدعك، أمّا إذا اختبرته أو سألت عنه وعرفت ماضيه وخلفيته وشهادات الآخرين بحقّه فسوف يقل احتمال الوقوع في ما يسمّى ﺑ(الثقة العمياء) ذلك أنّ البصيرة أو الوعي ضد كل ألوان العمى، فهي والطاعة العمياء أو الثقة العمياء على طرفي نقيض.
    ورد في الحديث: «لا يغرنّكم من الرجل كثرة صلاته وصيامه فقد تكون عادة اعتادها حتى إذا تركها استوحش ولكن اختبروهم بصدق الحديث وأداء الأمانة». أي بالقول وبالعمل، فإذا نجحوا في الاختبار فيمكن أن يكون ذلك سبباً لأن تزرع الثقة بهم والاعتماد عليهم، أمّا إذا فشلوا فسوف لن تكون ضحيّة الخداع والتغرير.
    وحتى تكون في أقصى حالات الوعي فلا ينبغي أن تطرح الثقة كاملة على طول الخط، بل لابدّ من مراجعة ومراقبة مستمرة فربّما كان الذي وثقت به بالأمس غير اليوم، إلّا الذي مرّرته بأكثر من اختبار وخضت معه أكثر من تجربة فلا تسمع كلام الناس ضدّه «منْ عرف مِن أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعنّ فيه أقاويل الرجال».

    9- قراءة ما بين السطور:
    هذا التغيير هو كنايةعن البحث عمّا وراء الكلمات والشعارات المطروحة، لأنّ البصير الواعي لا يكتفي بالانطباعات الأولى أو العاطفية الساذجة، أو السطحية العابرة، وإنّما يتعمّق ويغوص في دراسة كلّ شعار:
    - مَن الذي أطلقه؟
    - لماذا أطلقه؟
    - ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
    - وماذا يريد به؟
    - مَنْ هم الذين يروّجون له؟
    - وما هي مساحة الذين ينطلي عليهم؟
    - ما هي آثاره ومخاطره؟... إلخ.
    ومرّة أخرى نقول إنّ الواعي يطرح أسئلة كثيرة ولا يطمئن قلبه حتى يعثر على الإجابات الصحيحة، فإذا عثر عليها عرف كيف يتعامل مع الأشخاص والأحداث والمستجدات والشعارات والإشاعات. فبوصلته معه دائماً وبدونها يفقد معرفة الاتجاهات ويضيّع الهدف.

    حركة الوعي في حياتنا:
    وحتى تفهم ضرورة الوعي في حياتك، اعرف الذين يتضررون من الوعي، فهناك فئتان تريان وعيك خطراً عليهما، وهما في خير وعافية ما دمت تغط في جهل ونوم عميق أو غيبوبة عن واقع الحياة، وهؤلاء هم:
    1- أعداء الأمّة:
    وهم كل مَنْ يريد محاربة الوعي بتخلّفه وخرافاته وأساليبه القديمة سواء كانوا أفراداً أو جماعات.
    2- التجّار الانتهازيون:
    وهم الذين يطرحون بضاعاتهم الفاسدة في أسواق المسلمين منتهزين ومستغلين الناس في أمورهم الدنيوية وإبتعادهم عن مصادر ثقافتهم الدينية فيضيفون إلى جهلهم جهلاً، وإلى تخلّفهم تخلّفاً، لأنّهم إذا افتضحوا كسدت بضاعتهم، ولا يفتضحون إلّا من خلال وعي عميق ودقيق لما يثيرونه من أفكار هدّامة.
    من هنا، فإنّ مسؤولية صياغة الوعي وتنويره ونشره مسؤولية تضامنية تقع على الجهات التالية، كلّ بحسب موقعه وقدرته:
    1- الدولة: فهي بما تملك من أجهزة ومؤسسات ودستور وقوانين وصلاحيات قادرة على أن تزيد في رصيد الوعي لدى الأمّة، هذا إذا كانت نابعة من ضمير الأمّة، وكانت تستهدف بفعالياتها وخدماتها تطوير مناشط الوعي لديها.
    2- العلماء: وهم ليسوا علماء الدين فقط، وإن كان هؤلاء ينبغي أن يكونوا من أصحاب المسؤولية الكبرى، والرادرات التي تنذر بأي خطر داهم، ولكن هذا العنوان يتسع ليشمل المفكرين وأساتذة الجامعات والباحثين والدارسين كلاً في حقله ليقدموا للأمّة ما يرتفع بوعيها في مواجهة التحدّيات.
    3- الخطباء: وهم ليسوا أئمة الجمعة والجوامع فقط، بل كلّ مَنْ يعتلي منبراً أو منصّة أو يقف في محفل متحدثاً. فهم يتحملون قسطهم من ترسيخ جذور الوعي وإشعال أكثر من شمعة لحرق جوانب من الظلام.
    أنت أيضاً بمقدورك أن تساهم بتوسيع دائرة التوعية والتنوير بكلمة حقٍّ هنا، وكلمة صدق هناك، وكلمة وعي هنا وهناك تبثها بين أقرانك من الشباب، فدوائر الوعي كدوائر الماء تأخذ بالاتساع شيئاً فشيئاً.
    4- المثقفون: الذين بلغوا درجة واسعة من الفهم والتبصّر وتكونت لديهم رؤية ونظرة متعمقة في مجال معيّن أو مجالات عديدة فهؤلاء يستطيعون إغناء الوعي والبصيرة في ساحات مختلفة من المجتمع بقدر ما يملكونه من سلامة وقوة الفكر والخطاب الثقافي المناسب والشمولية في الرؤية والفهم.
    5- أجهزة الإعلام: بكلّ أشكالها المرئية والمسموعة والمقروءة والجامعة، فالصحف والإذاعات والمجلّات والدوريات والفضائيات وشبكة المعلومات (الانترنيت) تسهم كلّها في مدّ جسور الوعي مثلما تعمل على تسميمه أيضاً، وما أكثر الدسم الذي يختلط بالسموم، وما أخطر الإعلام الذي يعمل على تسطيح الوعي بدلاً من تجذيره.
    6- الندوات والمؤتمرات والاحتفالات: وهي وسائل أعلام عصرية متنقلة تلعب دوراً بارزاً في إرساء دعائم الوعي فيما تحققه من تواصل بين أرباب الوعي وبين المتعطشين إليه.
    7- الكتب: وكما كانت الكتب منارات للوعي وتقوية البصائر واماطة الظلام عن أعين وعقول وقلوب الناس، فإنها ستبقى كذلك رغم ما يطرح في طريقها من مزاحمات ومنافسات أو بدائل.

  4. #4

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة


    دوائر الوعي:
    هناك نقطة جوهرية يجب عدم إغفالها أو تغافل عنها، فشبابنا وفتاياتنا اليوم مستهدفون أكثر من أي وقت مضى في وعيهم وثقافتهم وهويتهم الدينية، فهم المجال الحيوي الذي تعمل غالبية المؤسسات الرسمية والأهلية من أجل غسل دماغه، أو تجيره لفكرة أو مشروع معيّن، أو إلهائه عن قضاياه الكبرى، وما لم يكونوا مسلّحين بالوعي فإن التيار جارف يكتسح كل معصوب العينين.
    وعلى هذا، يتعيّن أن يستحصل الشاب أو الفتاة موارد الوعي ومصادره في دوائره المتعددة، وإلّا كانوا ضحايا لأكثر من (مفترس) وقد لايكون مفترساً في الظاهر لكنّه يعمل – من وراء ستار – لافتراسهم.. ولا نجاة إلّا بمزيد من الوعي.

    أوّلاً: وعي الأشخاص
    لكي تبني جسراً من الثقة بينك وبين أحد معارفك من الأصدقاء والزملاء والإخوان، لابدّ من أن تعي الأمور التالية:
    1- سيرته الذاتية:كيف هو تعامله معك ومع الآخرين؟ ليس في أوقات المؤانسة واللعب والمسايرة، بل في أوقات الشدّة والضيق والحاجة ﻓ«الصديق عند الضيق».. اُنظر إليه في مواقفه.. هل هو صادق صريح؟ هل هو متعاون منفتح؟ هل هو لطيف المعشر متسامح؟ هل هو نفور غضوب؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي تحدد لك ملامح شخصيته.
    هل تجد صعوبة في التحقق من ذلك؟ هل تريد علاقات عابرة؟ هل الصداقة عندك تمضية وقت؟ تحمّل إذن وحدك نتائج العلاقات غير المدروسة.
    2- اختباره وتمحيصه:جرِّب صديقك في مواطن كثيرة.. جرِّبه إذا أغضبته.. جرِّبه إذا انتقدته.. جرِّبه إذا طلبت منه شيئاً.. جرِّبه إذا سافرت معه.. جرِّبه في نصرته لك أو خذلانه في المواقف الصعبة والمحرجة، فإذا ثبت لك أنّه حريص على اُخوّتك ضنين بصداقتك فلا يقاطعك أو يهجرك لأدنى اختلاف بينكما، ولا يخذلك في أوقات الحاجة والشدّة، ولا يظهر لك بغير الوجه الذي تعرفه فيه، فهو الصديق الصدوق والأخ الثقة.. فاحرص عليه لأنّه عملة نادرة.
    3- وقد يكون من المفيد أن تتعرّف إلى أسرته لتعرف من أي نبع يشرب وإلى أي ثقافة تربوية ينتمي، فالأسر المعروفة بصلاحها والتزامها وتدينها وسيرتها الحسنة بين الناس، غالباً ما ينحدر عنها أبناء صالحون.. ولكلّ قاعدة استثناءات.
    ولكنّ وعي الأشخاص لا يقف عند حدود الذين نتعرّف عليهم حديثاً، بل حتى الذين سبق أن تعرّفنا عليهم، فكيف تعرف أمثال هؤلاء على حقيقتهم؟
    1- اختبر نواياهم برفضك لطروحاتهم وعروضهم، وانظر ما هو ردّ فعلهم؟ هل سيلجأون إلى مزيد من الضغط عليك ولو باستخدام الإغراء؟ هل سيهدّدونك بصراحة أو من طرف خفّي؟ هل سيتركونك بعدما ييأسون منك؟ أم انّهم فعلاً يريدون بك خيراً؟
    2- أدرس لهجتهم في الحديث معك.. أي الكلمات يستخدمونها، وأي المواضيع يطرحونها، واطرح على نفسك اسئلة: لماذا قالوا ذلك؟ وماذا يريدون بهذه الكلمة؟ وما هو مرادهم من هذا التلميح؟ لماذا أنت بالذات؟
    3- سل عنهم مَنْ يعرفهم.. أي توثّق منهم بالسؤال والاستيضاح والتحرّي عن شخصياتهم ممّن يعرفونهم أكثر منك، ولا تكتفِ بالسؤال من شخص واحد.. سل أكثر من شخص حتى يسهل عليك اكتشاف النوايا.
    4- لا تتردد في قطع علاقتك بأي شخص مشبوه، أو تدور حوله علامات الاستفهام، فبمجرد أن تعرف انّه قرين سوء أو يبيت لك شراً، أو يريد أن يوقعك في مطب، بادر على الفور إلى إيقافه عند حدّه وقطع علاقتك به نهائياً.

    ثانياً: وعي الجماعات
    والجماعات قد تكون جمعيات أو نقابات أو منظمات أو اتحادات، أو هيئات، أو أحزاباً، أو نوادٍ اجتماعية أو ترفيهية أو ثقافية وحتى تتمكن من معرفة ما إذا كانت الجماعة على خطأ أو صواب، أو على حق أو على باطل، لابدّ لك من معرفة أمرين أساسين:
    1- معرفة الأشخاص الذين يعملون ضمن هذه الجماعة: مَنْ هو رئيسهم؟ ومَنْ هم البارزون فيها؟ ومَنْ هم الأشخاص الذين تستقطبهم؟ وما هي طرق الكسب لديهم؟ ومَنْ هم الذين يموّلونها ويدعمونها مادياً ومعنوياً؟ هل هي – أي الجماعة – معروفة مشهورة؟ أم أنّها مجهولة مغمورة؟
    ذلك أنّ معرفة الأشخاص الذين ينتمون أو ينتسبون إلى جماعة معيّنة تفيدك في الاطمئنان إلى سلامة توجّه الجماعة، فإذا كان الأشخاص ممّن عرفوا بالصلاح والسيرة الحسنة والأخلاق الحميدة، زاد اطمئنانك إلى أنّ الجمعية – أياً كان عنوانها – لا تضم في صفوفها إلّا الخيّرين.
    2- معرفة أفكار وآراء وطروحات وأساليب عمل وأهداف الجماعة: ماذا تريد منك على وجه التحديد؟ وما هي خططها الحاضرة والمستقبلية؟ ماذا تريد تحقيقه من عملها؟ هل لديها نشرات أو كتب أو أدبيات معيّنة؟ اطلب الاطلاع عليها قبل ابداء الرفض أو الموافقة.. هل لديها أهداف سرّية غير معلنة؟ سل عن ذلك ممّن هم أعرف منك في هذه الأمور.. ولا تنسَ أن تسأل أكثر من شخص، فقد يكون أحد الأشخاص غير دقيق في تشخيصه، أو أنّه يتحسس من عمل الجمعيات أو العمل الجمعي بصفة عامة.. انظر إلى فكر الجماعة.. قارنه مع فكرك كانسان مسلم.. هل يلتقيان؟ وأين يفترقان؟ ناقش قبل الدخول.. اطرح أسئلتك كاملة وبوضوح شديد.. احصل على أجوبة صريحة كاملة، ولا تقنع بالاشارات العمومية.
    إن معرفة الاشخاص وحدها لا تكفي في الحكم على عمل الجماعة، فالعصابة أيضاً جماعة وتعمل لأهداف محدّدة، ولكنها جماعة منحرفة، ولذا كان الاطلاع على فكر الجماعة وأساليبها وخططها وأهدافها ضماناً آخر لعدم انزلاقك أو تورطك في الإنضمام إلى الجماعات المشبوهة أو المنحرفة.
    ولابدّ من الاشارة هناء إلى أن (وعي الأشخاص) و(وعي الجماعات) هو وعي اجتماعي وثقافي ايضاً يعتمد معرفة الناس واختلاف أصنافهم وطبائعهم وأفكارهم وأهدافهم، وليس بوسعك كفرد أن تحصل على هذه المعرفة، ولذا فليس من العيب ولا من النقص أن تستشير العارفين حتى يطمئن قلبك.
    ولعلّك تلاحظ أنّ المؤسسات اليوم لا تقبل عضواً فيها إلّا بعد أن تطمئن إلى خلفيته، وإلى الحصول على معلومات كافية بشأنه من خلال استبيان أو مقابلة، بل تطلب منه أن يقدّم لها أسماء مَنْ يعرفونه جيِّداً حتى يمكن الاتصال بهم والتحقيق من المعلومات التي أدلى بها، فكيف تستكثر على نفسك – وأنت الوحيد – السؤال من الآخرين في قضايا مصيرية تهمّك؟!
    وينبغي أن يكون الشخص الذي تسأله ثقة وذا تجربة وقادراً على أن يشير عليك، كأن يكون أباك، أو أخاك الأكبر، أو أمّك، أو خالك، أو عمّك، أو إمام المسجد الذي تصلّي فيه، أو أي شخص ترجح وعيه وثقافته وقدرته على التشخيص والتمحيص.

    ثالثاً: الوعي الديني
    وهو وعي يتفرّع إلى وعيين:
    1- وعي الاسلام.
    2- وعي المسلمين.
    فلأجل أن تعي الاسلام وعياً صحيحاً لابدّ لك من أن تأخذه صافياً نقياً من منابعه ومصادره الأصلية (أي الكتاب والسنّة) وقد تكفّل الله بحفظ الكتاب المجيد مصوناً من التحريف والزيادة والنقصان فلا مشكلة.
    أمّا السنّة النبويّة (أقوال النبي وأفعاله وتقريراته) فقد تعرّضت للكذب عليها والوضع والدسّ والتحريف، وحتى تتحقق من صحّة السنّة إعرضها على كتاب الله فإن وافقته فخذ بها وإلّا فاضرب بها عرض الجدار.
    وتلك عملية ليست بالسهلة، وهي مهمّة العلماء والباحثين والمحققين، ولذا فإنّ الوعي الديني يطلب أن تتعرّف على هؤلاء لتعرف نزاهتهم واخلاصهم ومدى علمهم ومعرفتهم، فليس كل ما كتب أو قيل في الاسلام يمثل أصالة الاسلام ونقاءه.
    أمّا وعي المسلمين فيتطلب منك أن تعرض المسلم على مرآة القرآن الكريم والسنّة المطهرة لترى كم هو قريب أو بعيد عن الاسلام.. أي إعرف الاسلام تعرف أهله.
    كما أنّ وعيك بأخيك المسلم يستدعي أن لا تكفّره لأنّه لا يلتزم الاسلام التزاماً كلياً، أو لأنّه يختلف معك في فهمه وتفسيره للنصوص، فالنصوص الاسلامية مقدسة ولكن تفسيرها غير مقدس، وذلك تختلف التفاسير باختلاف المفسرين.
    وعيك بالمسلمين يتطلب الرفق بهم، والأخذ بأيديهم إلى درجات العلم والمعرفة والمعروف درجة درجة، وأن لا تجور عليهم في أحكامك، وأن تلتقي معهم على النقاط المشتركة التي توحّد الصف وتجعله بنياناً مرصوصاً.
    ووعي المسلمين يقتضيك يتطلب أيضاً المعرفة الدقيقة بأئمة المسلمين، فلا يغرك الاسم والرسم فتنظر إلى السطح وتتصوره العمق، فقد يكون الزي الديني للخداع والتمويه.
    ووعي المسلمين أن لا تتعصب لهم فترى أنّ أمّة الاسلام بمن فيها وما فيها هي أفضل الأمم.. ليكن لديك المعيار الذي تقيس وتميّز به، فالمسلم مسلمٌ ما سلم الناس والمسلمون – من باب أولى – من يده ولسانه، وهو خير الناس ما نفع الناس.
    والوعي الديني – بعد هذا وذاك – يستدعي معرفة المسؤوليات الدينية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي تتحملها سواء بالنسبة إليك كشخص أو إلى العائلة والمجتمع والحياة، وأن تميّز بين (الاسلام) وبين (المسلمين) فلا تلقي باللوم والتقصير والتخلّف والإزدواجية والتجاوز على عاتق الاسلام وتنسى أن بعض المسلمين لم يحسن إسلامهم، وإلّا فالاسلام خيرُ مربّ وخيرُ مصلح ومعلّم وهاد.

    رابعاً: الوعي السياسي
    يشتمل الوعي السياسي على فهم عدّة أمور، منها:
    1- الحركات والأحزاب والمؤسسات، وقد تحدثنا عن ذلك في مناقشة (وعي الجماعات).
    2- الشعارات.
    3- الأحداث.
    4- الأخبار.
    فأمّا وعي الشعارات، وهي الآراء والأفكار المضغوطة في كلمات معدودات، للتعبير عن هدف معيّن، أو للتحريض على عمل معيّن أو الوقوف ضدّه، فيحتاج إلى معرفة:
    أ. مطلق الشعار: إلجأ إلى الأسئلة دائماً، وابحث عن الأجوبة شخصياً وبالتعاون مع الآخرين: مَن الذي أطلق الشعار؟ وما هي هويته الفكرية والسياسية؟ فقد ينطلي عليك الشعار السياسي الرنان البرّاق إذا لم تتعرف على هوية مطلقيه.


  5. #5

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة

    ب. مضمون الشعار: هل يحتوي على الترويج للباطل أو الانحراف؟ هل يريد الدفاع عن الحق؟ هل هو (كلمة حق يراد بها باطل)؟ فقد تكون الشعارات صادقة لكن يراد الوصول من خلالها إلى أغراض مشبوهة ودنيئة، وقد تدّعي الدفاع عن حقوق الأكثرية لكنّها تبحث عن مصالح الأقلية.
    كما يتطلب وعي المضمون دراسته لمعرفة ما إذا كان يلتقي أو يتناقض مع ما تحمله من فكر وعقيدة، فقد يكون صحيحاً في الظاهر لكنّه مرفوض اسلامياً.
    ج.المجال الذي يُطلق فيه: أي،إلى مَنْ يراد توجيه الشعار؟ إلى أي شريحة اجتماعية؟ ومَنْ هم الذين يصدّقونه ويروّجون له؟ وما هي تأثيراته الجانبية على متلقيه؟
    د. الغاية من الشعار: ويمكن التعرّف على غاية أي شعار من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا في هذا الوقت بالذات؟ وما هي الأمور التي يستهدفها حاضراً ومستقبلاً؟
    وأمّا وعي الأحداث المعاصرة أو التأريخية، فيتطلب:
    1- معرفة شخصيات الحدث.
    2- معرفة مجريات الحدث.
    وهذا ما يطلق عليه في دراسات الحديث النبوي بمعرفة (السند) و(المتن) فأيّما حدث سياسي، ولنفترض إبرام اتفاق أو معاهدة يحتاج لوعيه إلى معرفة القائمين أو الموقعين على الاتفاق، ومعرفة بنود الاتفاق والدواعي التي دعت إليه، ومن المستفيد منه، وما هي انعكاساته الداخلية والخارجية، الآنية والمستقبلية.
    وأمّا معرفة ملابسات الحدث وتفاصيله وتداعياته والظروف المحيطة به: كيف بدأ؟ وكيف نما وتطور؟ وإلى أين انتهى؟ وما هي الجوانب الغامضة منه؟ فتعطيك تصوراً عن طبيعة الحدث وسياقه وافرازاته.
    وحتى تتمكن من تحليل ورصد حدث معيّن لابدّ لك من ملاحقة أو متابعة لمجرياته، فلا يكفي أن تنظر إليه من خلال مقطع من مقاطعه، بل لابدّ من استقرائه من جذوره، لتقف على العوامل والأسباب التي صنعته، والتي صعّدته، والتي انتهت به إلى ما وصل إليه.
    وأمّا وعي الأخبار فيحتاج أيضاً إلى الإجابة عن مجموعة من الأسئلة:
    مَنْ؟ أي مَن الذي قال؟ ومَن الذي فعل؟
    ماذا؟ أي ماذا قال؟ وماذا جرى؟
    متى؟ أي في أي ظرف قاله، وفي أي وقت؟
    أين؟ أي في أي مكان حصل ذلك؟
    كيف؟ أي التفاضيل الأخرى المتعلقة بالخبر.
    وقد حذّر القرآن الكريم من تصديق الأخبار على علّاتها لئلّا يكون ذلك سبباً لتخريب العلاقات الاجتماعية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحجرات/ ٦).
    وقد جاء في الحديث: «إعقل الخبر عقل رعاية لا عقل رواية» أي لا تأخذه كمسلّمة وإنّما أدرسه وتفحّصه جيِّداً، قبل أن تنقله بدورك، أو تتخذ بشأنه موقفاً.

  6. #6

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة


    خامساً: الوعي الإعلامي
    وهذا الوعي يأتي كرديف أو مكمّل للوعي السياسي، فثمة تلازم شديد بين الإثنين، وإن كان للإعلام مساحاته المستقلة.
    وفي الوعي الإعلامي نحتاج إلى معرفة:
    1- الجهة الإعلامية المسوقة (المُرسِل).
    2- المضمون الإعلامي (الرسالة).
    3- الجهة التي تبث إليها تلك الرسالة (المُستَقبِل).
    فمعرفة هذه الأمور الثلاثة ضرورية حتى لا نقع تحت تأثير التضليل الإعلامي، لأنّ المتلاعبين بالعقول والعواطف في أجهزة الإعلام ووسائله المختلفة من الكثرة، بحيث يندر الصفاء الإعلامي.
    والمراد بالجهة الإعلامية المسوّقة، تلك التي تقف وراء إعلام ما، تخطط له وترسم له طرق الوصول إلى المتلقّي مشاهداً ومستمعاً وقارئاً، وتضع له أهدافه الثابتة والمتغيرة، وقد تكون جهة رسمية أو أهلية، لكن معرفة ذلك وادراكه جيِّداً يحدد درجة الثقة بهذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.
    والمراد بالرسالة الإعلامية، مضمون المواد والبرامج والفعاليات التي يقدمها الإعلام، وبإمكانك أن تقرأ هوية الذين يقفون خلف هذه الرسالة من خلال الرسالة نفسها، فبالمتابعة الدقيقة والمستمرة سيتضح لك بأنّ طبيعة المادة الإعلامية المرسلة كاشفة – إلى حد بعيد – عن هويّة المُرسِلين، وقد لاتعرفهم بالوجوه والأسماء، لكنّك تعرفهم بالتوجهات.
    وأمّا المراد بالمُستَقْبِل، فهو أنت وأنا وسائر المستمعين والمشاهدين والقرّاء من مختلف الشرائح النسوية والرجالية والشبابية والأطفال، أي إنّنا المُستهدفون من الرسائل الإعلامية التي تدرس طباعنا وأمزجتنا وأذواقنا وغرائزنا وردود أفعالنا لتخاطبنا من خلالها.
    وما لم نعِ ما يراد بنا من خلال وسائل الإعلام فإنّنا واقعون في فخ التضليل الإعلامي والإثارة الإعلامية بل والتسميم الإعلامي.
    غير أن هذا لا يعني أن مواد الإعلام مسمومة كلّها، فالوعي الإعلامي، كما يفرز السلبي الرديء، يفرز الايجابي النافع، وبذلك تتوازن النظرة إلى الإعلام.

    سادساً: الوعي الاقتصادي
    الوعي حلقات متكاملة غير منفصلة، أي أن حلقات الوعي أو دوائره تتنافذ على بعضها البعض. فالوعي الاقتصادي وهو معرفة حركة الاقتصاد والمال في المنجم والمصنع والسوق والاستهلاك، غير منفصل بالمرّة عن الوعي السياسي والوعي الإعلامي والوعي الثقافي والوعي الديني ووعي الأشخاص والجماعات.
    فالمواد المصنَّعة حيادية، لكنّ الجهات المُصنِّعة ليست بريئة دائماً، وإنّما هي تحمّل السلع والخدمات رسالتها أيضاً، كما مرّ بنا في الجانب الإعلامي، فما من سلعة أو بضاعة إلّا ولها وجهان (وجه استهلاكي) ويتمثل بالانتفاع من استخدامها، و(وجه ثقافي) يتمثل فيما تعبّر عنه من مضمون مادّي أو معنوي.
    إنّ غرس النزعة الاستهلاكية فيك هدف لغالبية التجّار حتى وإن طرحوا بضائعهم على أنّها توفر لك الراحة وتحقق المزيد من الرفاه. فالهدف الأوّل تحقيق أكبر نسبة من الأرباح للمنتج والمصدّر والبائع، أمّا المستهلك فهو هدف لهؤلاء الثلاثة.
    إنّ الموجة الإعلانية التي تغمرك طوال ساعات البث التلفزيوني في الترويج لبضائع عديدة، لا تدعك حرّاً أو تفكر باستقلال تام، فهي موجة إيحائية مؤثرة تصور لك ما هو ثانوي وكمالي على أنّه أساسي وضروري، وسمة من سمات العصر، الأمر الذي يجعلك كمستهلك تدور في دوّامة (حمّي التسوّق) ليس على صعيد الأثرياء فقط، بل حتى بالنسبة لذوي الدخل المحدود أو المتوسط.
    والوعي الاقتصادي لا يقتصر على معرفة الاستهلاك وخفاياه، بل يشمل كل الحركة الاقتصادية سواء من حيث الإنتاج والاستثمار والديون والشروط الموضوعة من قبل الدائنين، والتبعية الاقتصادية التي تجر معها عجلة التبعية السياسية، والتصرّف بأسواق النفط والعملات وما إلى ذلك.

    فوائد الوعي:
    وحتى نلخّص رسالة هذا الكتيب، نقول إنّ للبصيرة أو الوعي فوائده الكثيرة، ومنها:
    1- الغوص في الأعماق وعدم الوقوف عند السطح. فقد يكون السطح لامعاً برّاقاً لكنّ ما تحته خواء، أو جيفة، أو خطر محدق، أو معدن مزيّف، أي أنّ الوعي يجنبنا من الوقوع في الخداع والتغرير والتضليل والتزوير.
    2- الوعي يفيدنا في الربط بين الأشياء. فما قد يبدو في الظاهر منفصلاً عن بعضه، هو ذو علاقة – بنحو أو بآخر – بغيره من الأشياء، كما هي علاقة الإعلام بالسياسة وعلاقتهما بالثقافة وعلاقة الجميع بالتربية. وبمعنى آخر، إنّ الواعي ينظر إلى الأمور والأشياء نظرة شمولية، وليس نظرة تجزيئية، حتى يدرك العلاقة بينها.
    3- إنّ التدين والإيمان يستلزم بالضرورة الوعي والبصيرة، أمّا إذا كان تديننا بلا وعي وإيماننا بلا بصيرة، فإنّه سيكون تديناً ساذجاً، ولذا فإنّنا حينما نقرأ في الحديث: «حبذا نومُ الأكياس وفطرهم» فإنّنا نفهم بأن قيمة (الوعي) أكبر من قيمة (التدين) فإذا اجتمعتا فهو الخير.
    4- الوعي ذو اثر أكبر من دائرة الشخص الواعي نفسه، فهو بوعيه يمكن أن ينير الدرب للآخرين الذين تنطلي عليهم الألاعيب والخدع والشعارات والتصريحات والإعلانات والدعايات، أي أنّه يفتح عيونهم للإبصار أكثر، وهذا ما يفعله أرباب الوعي الاسلامي العميق في كتاباتهم وخطاباتهم التي تزيد في وعينا وقدرتنا على التشخيص الدقيق.
    5- الوعي يفتح الأبواب المقفلة بالكثير من الاستيضاحات والأسئلة: مَنْ؟ ولماذا؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ أي أن كلّ شيء بالنسبة للواعي مادّة للدرس، يأخذ منها درساً وعبرة ويحلّلها، ويقرأها بعيون ثانية، فيزداد معرفة بالأشياء والأشخاص والأفكار والعلاقات.

  7. #7

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة

    (تزييف) الوعي:
    السؤال الأخير: هل يمكن تزييف الوعي؟
    نحن نتحفّظ على هذا المصطلح، لأن الوعي في اعتقادنا لا يزيّف ولا يحرّف، فالوعي وعي والجهل جهل. نعم، يمكن أن نتحدّث عن (تخريب الوعي) أو هدمه وتسميمه أو اغتياله، كما تفعل الكثير من الجهات المضادة لحركة الوعي في المجتمعات. ويمكن الحديث أيضاً عن تضليل الرأي العام، أمّا الوعي فلا يضلّل ولا يزيف لأنّه (علم) ولأنّه (نور) ولأنّه (قوّة) وما دامت سمات الوعي هي هذه فهو غير قابل للتزييف.
    الوعي – بكلمات مختصرة – بصر ونور داخلي يضيء تلقائياً إذا أطفئت الأنوار الخارجية وأحدق ظلام الجهل بالناس، وذلك هو المعنى العميق لمقولة «وإن معي لبصيرتي لا لُبّست ولا التُبس عليَّ».
    «وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين»



    [1]- الجُحر: مكمن الحيّة أو الأفعى.
    [2]- لو راجعت الآيات التي تتحدّث عن (التقوى) لانتهيت إلى نتيجة مهمّة جدّاً وهي أنّ التقوى – بما تمثله من معرفة عميقة بالله والإلتزام بطاعاته واجتناب معاصيه – من أوثق عناصر تنمية البصيرة لدى الانسان.
    [3]- إنّ معرفة الحقّ معيار كبير لمعرفة مَنْ هم أهل الحقّ، والحق من عند الله أي ما جاء به الأنبياء والرسل، فالله حق وما يصدر عنه حق وما يتفق مع آياته وبراهينه وحججه حق، وهو واضح ليس بالغامض ولا يعقل أن نُطالب باتباع الحق وهو غامض، لكنّه قد يخلط بالباطل فتلتبس الأمور.

  8. #8


    الصورة الرمزية 4MAX
    الإشراف العام

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    فى القلب
    العمر
    29
    المشاركات
    19,932
    Thanks
    983
    Thanked 241 Times in 199 Posts
    الصور
    6
    معدل تقييم المستوى
    462

    رد: مقومات الوعي والبصيرة

    متابعه جيده اخى وليد
    ان لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس
    حببهم للخير وحبب الخير لهم
    اولئك هم الامنون من عذاب الله يوم القيامه
    =====

    بروا آبائكم يبروكم أبنائكم




    ĎΞs!GŖ

    مركز طريق الجرافيك التعليمي

  9. #9

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: مقومات الوعي والبصيرة

    شكرا لمرورك اخى الكريم


 

 

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 03 : 09 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Search Engine Optimization by vBSEO