Follow us on Facebook Follow us on Twitter Linked In Flickr Watch us on YouTube My Space Blogger
التسجيل
النتائج 1 إلى 8 من 8

تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

هذا الموضوع : تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2 داخل القسم الإسلامي والدينيالتابع الي قسم ملتقى الأعضاء : (وأمددناهم بفاكهة ولحم ممّا يشتهون... ) . لقد استحقّوا ما وعد الله، فهم في جنان النعيم يساق إليهم ما اشتهت ...

  1. #1

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    (وأمددناهم بفاكهة ولحم ممّا يشتهون... ) .
    لقد استحقّوا ما وعد الله، فهم في جنان النعيم يساق إليهم ما اشتهت أنفسهم من طعام وشراب، من فاكهة ولحم متواصل غير مقطوع، ولأهل الجنّة أنس ولذة بالخمر المُعد في ذلك العالم، الخمر الذي لا يذهب العقل، ولا يخرج الإنسان عن الوعي فيصدر منه اللغو أو التأثيم.. إنهم يتناولون كأس الخمر، ويتجاذبونها فيما بينهم تجاذب الأنس والمحبة، وليس تجاذب العداوة والباطل.
    ويتواصل وصف القرآن للجنة، وما أعد الله فيها من نعيم للمحسنين، فينقل لنا صورة من صور النعيم في ذلك العالم، صورة الغلمان المُعدّين لخدمة أهل الجنّة، إنّهم آية في الحسن والصفاء والجمال ، لذا شبَّههم القرآن باللؤلؤ المكنون، فيضفون على تلك الأجواء الجمالية الآنسة اُنساً وجمالا.
    في هذا النعيم الدائم والأمن والسرور يتذكر أولئك المتقون ما كانوا يدعون الله به في عالم الدنيا .. إنا كنا من قبل ، عندما كنا في عالم الدنيا ، كنا خائفين على أنفسنا من العذاب، ندعوه ونطلب عفوه فأجاب دعوتنا ، ووفى بما وعدنا ، وتجاوز عنا فوقانا عذاب السموم ، انّه هو البر الرحيم .
    فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِن وَلاَ مَجْـنُون (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ا لْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِنَ ا لْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُم بِهذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَ يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيث مِثْـلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (34)أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ ا لْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ (36)أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ا لْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَان مُبِين (38) أَمْ لَهُ ا لْبَنَاتُ وَلَكُمُ ا لْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَ لُهُمْ أَجْراً فَهُم مِن مَغْرَم مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِندَهُمُ ا لْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ ا لْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44)فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ ا لَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (46)وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (47)وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) .
    شرح المفردات الآيات (29 ـ 49)
    فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون :الكاهن الذي يوهم بأنه يعلم الغيب باستخدام الجن ، والمعنى: انك بفضل الله عليك لست مجنوناً ، ولا كاهناً يخادع الناس بالتظاهر بالاتصال بعالم الغيب.
    نتربّص به ريب المنون :التربّص: الانتظار، والمنون: المنيّة، وريب المنون: علامات الموت. والمعنى: ننتظر حتى يموت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونتخلّص منه .
    أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون : أم تسألهم أجراً على ما جئتهم به من الهداية والرسالة، فأثقلهم ذلك الغرم، فمنعهم من الايمان بك. والمعنى: انك لا تطلب منهم مقابل تبليغ الرسالة أجراً، فيثقل عليهم ذلك الأجر، ويمنعهم من قبول الدعوة.
    يريدون كيداً : يريدون أن يمكروا بك، ويدبّروا السوء ضدّك.
    إن يروا كسفاً ساقطاً :إن يروا قطعاً من السماء ساقطة عليهم.
    فإنّك بأعيننا :فإنك بحفظنا ورعايتنا.
    إدبار النجوم :حين تدبر النجوم، عندما يغمرها ضياء الصبح، فتأخذ بالمغيب.
    المعنى العام الآيات (29 ـ 49)
    وبعد أن وصف القرآن عالم الجنان والنعيم عاد فخاطب النبيّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)وسجّل ما يقوله المكذّبون من افتراءات وأباطيل وأوهام، فدعاه إلى أن يذكِّر بالقرآن ، (فذكِّر فما أنتَ بنعمةِ ربك ... ) وينشر دعوته من غير توقّف أو تردّد ... إنك على الحق يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلست ـ بحمد الله ـ كاهناً ولا مجنوناً ولا شاعراً، بل أنت داعية الحق، ومنقذ الإنسان ، لقد استعمل هؤلاء المكذِّبون كلّ أساليب التكذيب والتشويه والتضليل، فلم يوقفوا مسيرة الدعوة، واقبال النفوس على كلمة الله.. وهكذا يفعل المجرمون وأهل الباطل عندما يواجهون كلمة الحق ، فلايجدون حجّة ولا دليلا مقبولا للاحتجاج به ، فيلجأون إلى التشكيك والتضليل وإثارة الشبهات، وعندما ييأس أولئك المبطلون يلجأون إلى إقناع أنفسهم، ومن يستمع إليهم بأوهام وتصورات خدّاعة ; ليواجهوا الهزيمة، لقد يئس خصوم الدعوة من إقناع الناس بأباطيلهم فأقنعوا أنفسهم ; إن صاحب الدعوة شاعر، سيموت وينتهي كلّ شيء، فلنتربص به ريب المنون، فلننتظر موته، وإنهاء ما يدعو إليه .
    وإذاً قل لهم يا محمّد، استخفافاً بما يفكرون به، انتظروا فإني منتظر ما يحل بكم أيضاً، وما سيحدث لهذا المسار.. والآية تتضمن وعداً بالنصر، وتفوق الحق. وصدق الله رسوله، فقد انتصر الحق، وهزمت أفكار الباطل، وخسر المبطلون.
    ويستخف القرآن بعقول هؤلاء التي دعتهم إلى تكذيب الوحي والرسالة، بل ويعزو ذلك إلى الطغيان والغرور أيضاً ، بقوله: (أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون ).
    ثمّ يواصل القرآن إلقاء أسئلته ذات الحجج الدامغة، فيسأل: أعندهم خزائن ربك يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أم لهم السيطرة على الخلق، فيعطون من شاؤوا، ويمنعون من شاؤوا ؟ فيضعون النبوّة في غير الموضع الذي وضعها الله فيه .
    أم لهم سُلّم، ... ومصعد يحلّقون به فيستمعون إلى وحي مِنَ السماء؟ إن كان لديهم مثل هذه القدرة فليأتِ مستمعهم بحجة ودليل يثبت به ذلك.
    ثم ينتقل القرآن من الحديث عن موقفهم من النبوة إلى عرض جملة قد تبدو لمن لا يتأمل في ما أراد القرآن بها، أنها جملة لا علاقة لها بما سبقها، ولا ارتباط لها بالسياق. وهي قوله تعالى : (أم له البنات ولكم البنون ) ... إنّ هذه الآية هي إدانة لذلك العقل المتخلف تجري في عمق السياق، وقرينة تساهم في بيان المراد.
    إن القرآن يستخف بعقول هؤلاء الذين قالوا لله البنات، ولهم البنون. فهو يوضح أن أصحاب هذه العقول لا يستوعبون بطريقتهم هذه ذلك المنهج العلمي الذي يحاورون به.
    ثمّ يعود فيخاطب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول له: هل كان رفضهم يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لنبوّتك ودعوتك لأ نّك تطلب منهم مالا فثقل عليهم وتعذّر دفعهم ذلك التكليف المالي مقابل الإيمان والتصديق؟ إنَّك لا تطلب مالا ولا أجراً على ما تدعوهم إليه، غير أنهم رفضو الهدى، وأصمُّوا آذانهم عن الحق.
    وتتواصل أسئلة القرآن الداحضة ، فيقول: (أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) .
    أعند أولئك الرادّين عليك يا محمّد علم الغيب فهم يكتبون منه، ويحكمون به، ويستندون عليه بقولهم: أنك تموت قبلهم، وينتهي أمر رسالتك، أو يخبرون عن الغيب فيما يقولونه للناس من آراء، أم يقولون تقوّل القرآن وافتعله، فهو من قوله الذي ينسبه إلى الله سبحانه، إن كل ما يقولونه من هذه التهم والأباطيل هي للدفاع عن كفرهم وانحرافهم.
    * * *


  2. #2

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    وبعد أن ينهي القرآن هذا المقطع من وصف موقف التكذيب، وردّ المشركين على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يعود فيتحدّى المكذِّبين المتهمين للنبوة، فيتحدّاهم أن يأتوا بمثل القرآن إن كان قول شاعر أو كاهن أو مجنون، كما يقولون، فما يمنعهم وهم أصحاب العقول الراجحة، كما يدّعون، وتلك حجة حسيّة داحضة لا يستطيعون ردّها.
    ويترك القرآن أولئك المكذّبين أمام هذا الإحتجاج المعجز، فيورد عليهم عدداً من الأسئلة العلمية التي لا يجدون لها جواباً، وأ نى لهم مواجهة العلم والحقيقة، وهم يتخبّطون في الوهم والخرافة وصناعة الأكاذيب والشبهات المفتعلة.. إن القرآن يخاطب هذا النمط من العقول. أخُلق أولئك المكذّبون من غير ما خلق منه البشر، فلا يكلّفون ولا يُسألون ولا يحاسبون، كما يكلف غيرهم، ويُدعى إلى الهدى ، أم أنّهم هم الخالقون الذين خَلقوا أنفسهم، فليس لهم خالق يعبدونه ويستمعون لأوامره ونواهيه ؟
    أم خلقوا السماوات والأرض، فليس لها خالق غيرهم ؟
    إنّ النفي هو الجواب على كل ذلك ... إذاً من خلقهم كما خلق الآخرين ، ومن خلق السماوات والأرض .. لو سألتهم يا محمّد من خلق كلّ ذلك ، فسيقولون الله ، ومع ذلك فهم شاكّون لا يوقنون بنبوّتك .
    إنّهم معاندون مصرّون على الضلال ، يتنكرون لكل حقيقة، حتّى وان رأوا الأدلة الحسِّية بأعينهم ، حتّى لو أنزلنا عليهم العذاب وأسقطنا عليهم أجزاء من اجرام السماء فسيقولون هذه قِطعُ سُحب مركوم بعضها فوق بعض ، وليست عذاباً .
    فذرهم يا محمّد ، اتركهم فانهم معاندون لا يريدون ان يستمعوا إلى كلمة الحق ، اتركهم حتّى يلاقوا يوم العذاب ، وذلك هو الاسلوب المناسب لهؤلاء المعاندين ، اتركهم ليوم لا ينفعهم فيه كيدهم ومكرهم ، ولا يجدون من ينصرهم ، ذرهم فان لهم عذابين ، عذاب الاخرة ، وعذاباً دون عذاب الآخرة ، وهو القتل بأيدي المؤمنين في ساحات القتال ، وهو وعد بيوم بدر الخالد ، وقد قتلهم المؤمنون في تلك المعركة ، وذاقوا وبال امرهم ، وقيل انّ عذاب الدون المشار إليه هو عذاب القبر ، قبل عذاب يوم القيامة . وقيل هو وعد بألوان العذاب في الدنيا قبل الآخرة من الجوع والمصائب والبلاء .
    ثمّ يختم القرآن هذه السورة بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مزيد من الصبر والتحمل ، فان مهمة الدعوة إلى الله، وتغيير المجتمع، وإحداث عملية التغيير الاجتماعي عمل شاق وبطيء ويحتاج إلى الصبر والمثابرة من الرسل، عليهم السلام، ودعاة الاصلاح ، (واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا) ، ان الله معك يحفظك ويرعاك ويؤيدك في دعوتك .
    وبعد ان ينهي القرآن هذا الحوار ، يدعو النبي محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن يسبّح الله حين يقوم من نومه فيقول : «سبحانك اللّهمّ وبحمدك» ، وقيل أيضاً دعوة إلى التسبيح حين يقوم إلى الصلاة إلى أن يدخلها ، وأن يتخذ من اللّيل رحاباً للقاء الله وتسبيحه .
    قال المفسِّرون إنّ المقصود بهذا التسبيح هو صلاة اللّيل(1) . وإذا كان القرآن قد ركّز على صلاة اللّيل لأهميتها في حياة النبي الداعية التي اشار إليها في آية أخرى بقوله: (إنّ ناشئة اللّيل هي أشدّ وطأ وأقوم قيلاً ) ، فانّه يدعو النبيّ إلى التسبيح والتنزيه عندما تدبّر النجوم وتتوارى في الفجر ، ويقول المفسرون انها دعوة إلى أداء ركعتين قبل صلاة الفجر (نافلة الفجر) ، وقيل المقصود هو صلاة الفجر ، ويذهب رأي تفسيري آخر لقوله تعالى: (ومن اللّيل فسبِّحهُ وادبار النجوم ) ، انّ المقصود هو الدعوة إلى دوام الذكر والتسبيح في الليل والنهار.
    وهكذا تختتم هذه السورة بدعوة النبي إلى وجوب مواصلة دعوته، وتبليغ رسالته والصبر على الأذى ، والاهتمام بصلاة الليل، وتسبيح الله وتنزيهه، والمداومة على ذكره في كل حين وآن .
    * * *
    تعريف
    1 ـ تتحدّث سورة النجم عن أعظم حدث في حياة النبوّة ، وفي تاريخ البشرية بأسرها . إنّه حديث المعراج والاشارة إلى ما كشف للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما اطَّلع عليه من عوالم الغيب ... والمعراج معجزة من أعظم معاجز الأنبياء. والسورة كما تتحدّث عن المعراج، تتصدّى للمكذّبين فترد عليهم.
    2 ـ تتحدّث السورة عن الشفاعة، وتوضّح أن ليس لأحد أن يشفع إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
    3 ـ وفي هذه السورة يضع القرآن منهجاً علمياً للتعامل مع الشريعة والأشياء والحوادث والمعلومات، فيرفض الظن، ويوضِّح أ نّه لا يغني من الحق شيئاً، إنمّا يدعو إلى اعتماد العلم واليقين .
    4 ـ في هذه السورة ينهى القرآن الإنسان عن أن يزكِّي نفسه، وينظر إليها نظر العصمة، فالله أعلم بمن اتقى . وفي هذا التوجيه القرآني دعوة إلى الإنسان ليراجع نفسه، ويقيِّم عمله وسيرته بشكل متواصل. فلا يدّعي الصواب والإستقامة في كلّ مواقفه وأفعاله وفهمه وأفكاره.
    5 ـ وفي هذه السورة تحدَّث القرآن عمّا في صحف إبراهيم وموسى (عليهما السلام) من مبادئ أساسية وأصول عقيدية.
    6 ـ ويتحدث القرآن في هذه السورة عن أقوام هلكت، قوم عاد وثمود وقوم نوح، والقرى المؤتفكة.
    أخذها الله بذنوب أهلها فدمّرها تدميراً; لتكون عبرة وموعظة، ودرساً تأريخياً لأجيال الإنسان، وليفهم الإنسان أن الإنحراف والجريمة والكفر والفساد تقود البشرية إلى الهلاك والدمار.
    7 ـ بعد أن ختم الله سبحانه سورة الطور بمخاطبته النبيّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (واصبر لحكم ربِّك فإنّك بأعيننا وسبِّح بحمدِ ربك حين تقوم * ومن اللّيل فسبِّحه وإدبار النجوم ) . بعد أن ختم الله سبحانه هذه السورة بإدبار النجوم افتتح سورة النجم بالقسم بالنجم ، والحديث عن نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) والدفاع عن تلقيه الوحي ، فجاءت الخاتمة والإفتتاح وحدة موضوعية متواصلة .

  3. #3

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2


    سورة النّـجم
    « مكيّة ، وهي اثنتان وستون آية »
    بسم الله الرّحمن الرّحيم
    وَالنَّجْـمِ إِذَا هَوى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ ا لْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ ا لْقُوى (5) ذُو مِرَّة فَاسْتَوى (6)وَهُوَ بِالاُْفُقِ ا لاَْعْلى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلّى (8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9)فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ مَا أَوْحى (10) مَا كَذَبَ ا لْفُؤَادُ مَا رَأى (11)أَفَتُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13)عِندَ سِدْرَةِ ا لْمُنتَهى (14) عِندَهَا جَنَّةُ ا لْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى (16) مَا زَاغَ ا لْبَصَرُ وَمَا طَغى (17)لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ا لْكُبْرى (18) .
    شرح المفردات الآيات (1 ـ 18)
    والنجم إذا هوى :أقسم بالنجم إذا سقط، وتناثر يوم القيامة.
    غوى :أمعن في الضلال بجهل.
    ذو مرّة فاستوى :ذو قوة وشدة واتقان في الخلق.
    فتدلّى:ظهر جبريل لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) بكمال صورته الملائكية فقرب ودنا.
    قاب قوسين:قدر قوسين،والقوس هو:ما ترمى به السهام،والمقصود هو تقدير المسافة باللغة ، والمقياس الذي يفهمها الإنسان المخاطب في عصر نزول القرآن . وهي المسافة التي كانت بين جبرئيل (عليه السلام) وبين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قرب منه وتدلى.
    أفتمارونه على ما يرى:أفتجادلون محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما رآه في معراجه.
    رآه نزلة أُخرى :رأى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جبريل مرة أُخرى، وهو نازل بصورته الملائكية من السماء.
    عند سدرة المنتهى :المكان الذي انتهى اليه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في عروجه الى السماوات العُلى، فأفاض الله عليه ما أراد إفاضته.
    ما زاغ البصر وما طغى :انّ ما رآه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في معراجه كان حقاً، وليس وهماً، كما تدّعون أيها المكذّبون.
    المعنى العام الآيات (1 ـ 18)
    بالقسم ابتدأ الله سبحانه هذه السورة المباركة، فأقسم بالنجم إذا هوى، الدّال على عظمته وقدرته. وهويّ النجم سقوطه وتناثره، وهو إشعار بانتهاء أمد الكون، واضطراب نظامه، وانتهاء هذا العالم، وقيام الساعة، وفي ذلك الفات نظر وتهديد ودعوة إلى التهيّؤ لذلك اليوم الرهيب .. أقسم الله سبحانه بذلك الحدث العظيم على نفي تكذيبهم للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) واتهامه بالجهالة والإمعان فيها.. محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ينطق عن هوى النفس وميولها البشرية ، إنّما يؤدِّي لكم ما يتلقّى من الوحي عن ربِّ العزّة. إنّه يتلقّى الوحي من جبريل عن الله تعالى، فهو الذي يعلِّمه.
    ثمّ ينتقل من الحديث عن تلقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعلّمه الإلهي إلى التعريف بجبريل (عليه السلام)وعلاقته بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو يعرِّف جبريل (عليه السلام) بأ نّه: (ذو مِرَّة ); أي شديد القوى، محكم الخلقة، متقن الأداء والتبليغ. وذهب بعض المفسِّرين إلى أنّ المقصود بـ (ذو مرَّة )، أ نّه ذو مرور متواصل في الاُفق، ذاهباً وجائياً، وصاعداً ونازلا.
    بعد ذلك تحدّث القرآن عن استواء جبريل، أي ظهوره بصورته الملائكية إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقوفه معتدلا في الاُفق ليراه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).
    إنّ القرآن يُحضر لنا صورة ذلك المشهد العظيم الذي رآه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مشهد خارج عن عالم الحسِّ البشري المألوف. لقد رأى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)جبريل متجهاً نحوه من الاُفق الأعلى ; الاُفق الشرقي فخرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مغشياً عليه، فدنا منه جبريل، وقرب حتّى كان ما بينهما من المسافة يُقدّر بذراعين، أو أدنى من ذلك، أو يقدّر بما بين مقبض القوس ووتره الذي يُرمى به، فضمّه إليه وانحنى عليه.
    * * *
    وينقل الطبرسي في مجمع البيان أن النبي محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يرى جبريل (عليه السلام)متجسداً على صورة إنسان فسأله أن يراه على صورته الملائكية، فظهر له مرتين بتلك الصورة، مرة عندما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بحرّاء في صعيد الأرض، وجبريل مقبل من اُفق المشرق، وقد سَدَّ كامل الاُفق حتّى المغرب، فلمّا رآه النبي على هذه الصورة خرَّ مغشياً عليه، ثمّ هبط جبريل إلى صعيد الأرض بصورة الآدميّين، فدنا من النبي حتّى كان القرب بينهما كالقرب بين مقبض القوس ووتره، فضمّه إليه (فدنا فتدلّى * فكان قاب قوسين أو أدنى ).
    وعند القرب والتدلِّي أوحى جبريل ما أمره الله أن يوصله إلى عبده محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، في الحديث إسرار وإبهام ، فلا يُدرى ما أوحى الله إلى نبيه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) في تلك اللحظات الخالدة ، لذلك جاء البيان بصيغة الإبهام : (فأوحى إلى عبده ما أوحى ).
    أفاد المفسِّر الكبير الطبرسي (رحمه الله) أن هذه الآية (ما كذب الفؤاد ما رأى... ) تتحدّث عمّا رآه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة المعراج ، فهي تعرِّف أن الذي رآه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن بالوهم أو بالتصوّر الكاذب، إنّه رؤية حق وصدق، فصدَّق ما رأى. واختلف المفسرون في تأويل ما رأى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعض الروايات تتحدث عن أن الرؤية رؤية قلبية، وانكشاف معرفة.
    قال الطبرسي في مجمع البيان :
    (قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: رأى محمد ربه بفؤاده، وروي ذلك عن محمد ابن الحنفية عن أبيه علي (عليه السلام).
    وهذا يكون بمعنى العلم، أي: علمه علماً يقيناً بما رآه من الآيات الباهرات ، كقول ابراهيم (عليه السلام) : ولكن ليطمئن قلبي. وان كان عالماً قبل ذلك).
    وذهب آخرون إلى أن ما رآه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو جبريل بصورته الملائكية.
    وذهب فريق ثالث إلى أن ما رأى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو ملكوت السماوات ليلة المعراج رؤية حسِّية صادقة، وهو ما تشير إليه الآية، أ نّه رأى في معراجه من آيات ربه الكبرى ...
    ثمّ ينهي القرآن هذا المقطع من الحديث فيوجه خطابه إلى أولئك المعاندين فيخاطبهم بقوله : (أفتمارونهُ على ما يرى * ولقد رآه نزلة اُخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى ).
    إنّكم تصرّون على مجادلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على ما رآه بنفسه، إن الذي رآه لا يقبل الجدل، فهو ليس من القضايا النظرية والجدلية، بل هو مسألة أدركها بحسّه وبصره.. ثمّ يضيف الوحي أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)رأى جبريل مرة اُخرى في عوالم السماوات العلى، ليلة معراجه عند سدرة المنتهى، كما كان قد رآه في الاُفق الأعلى، وهو في صعيد الأرض بحرّاء .. وبهذا التصوير الغيبي الخارج عن تصور المخاطبين الحسّي يعرِّفنا بذلك الحدث العظيم، إنّه يحلِّق بالوعي البشري إلى عوالم الغيب، فيصوِّر الكون والنهاية وجنّة المأوى. وهو حدود ما شاء رب العزة أن يطلع نبيَّه عليه في معراجه .
    * * *

  4. #4

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    لقد كانت الرؤية الثانية، عند سدرة المنتهى. والحديث عن سدرة المنتهى حديث عن عوالم الغيب التي لا يعلمها إلاّ الله، أو من أطلعه عليها.. ومن سياق الوصف، ورمزية التعبير، ندرك أن المقصود بسدرة المنتهى موضع النهاية من عوالم الكون، ولعل تسميتها بسدرة المنتهى كانت تسمية كناية منتزعة من بيئة المخاطب العربي، كناية عن موضع الإستراحة والإنتهاء التي ينتهي إليها السائر في الصحراء، عندما ينتهي المسير فيستظل بظل شجر السدر بالصحراء. سدرة المنتهى عندها تبدأ عوالم الجنان والخلود والنعيم.. وحول سدرة المنتهى أسرار وآيات عظيمة، وحقائق غيب لايمكن للعقل الحسِّي الإحاطة بها ، لذلك عبّر القرآن عن هذا الوصف بقوله : (إذ يغشى السدرة ما يغشى ).
    واستعمال (ما) المبهمة هي أبلغ تعبير عن التعظيم، وفتح الاُفق النفسي للإعجاب والذهول أمام الإنسان المخاطب .
    وإذا كان محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلغ كلّ هذه المواقع، ورأى الحقيقة ببصره، فما تجاوز بصره الحقيقة.. لقد رأى حقاً، وما جاوز ما أراد الله سبحانه كشفه له من حقائق تلك العوالم، إنّه رأى من آيات ربه الكبرى التي لم يفصح القرآن عن حقيقتها، واكتفى بوصفها بالكبرى.. لقد رأى سدرة المنتهى، ورأى جبريل، ورأى حقائق كبرى تغشى السدرة.. وهكذا تواصل حديث القرآن عن تلك العوالم الغيبية، ووضع العقل البشري في مستوى التفكير بنهاية الكون بغيب محيط، وأسرار ربّانية مسدلة على تلك العوالم.
    * * *
    أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَا لْعُزّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ ا لاُْخْرى (20)أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ ا لاُْنثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْـمَةٌ ضِيزى (22) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَان إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ا لاَْنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِن رَبِّهِمُ ا لْهُدى (23)أَم لِلاِْنسَانِ مَا تَمَنّى (24) فَلِلّهِ ا لاْخِرَةُ وَا لاُْولَى (25) وَكَم مِن مَلَك فِي السَّماوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضى (26) إِنَّ ا لَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْ خِرَةِ لَيُسَمُّونَ ا لْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ا لاُْنثَى (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ا لْحَقِّ شَيْئاً (28)فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ا لْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ ا لْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) وَللهِِ مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا فِي ا لاَْرْضِ لِيَجْزِيَ ا لَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ ا لَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى (31) .
    شرح المفردات الآيات (19 ـ 31)
    اللاّت والعُزّى ومناة الثالثة الاُخرى :أسماء لأصنام، كان العرب يعبدونها، وقيل أن العُزّى: شجرة عظيمة لقبيلة غطفان كانوا يعبدونها .
    قسمة ضيزى :قسمة غير عادلة .
    المعنى العام الآيات (19 ـ 31)
    بعد أن أنهى القرآن حديثه عن تلك العوالم انتقل إلى الحديث عن الأصنام ، تلك الحجارة الميّتة، ينحتها الجاهليّون بأيديهم، ثمّ يُسمونها آلهة، اللاّت والعزّى ومناة.. تلك أصنام يزعم صانعوها أ نّها تماثيل للملائكة، وهنّ بنات الله.. والله يؤنِّبهم بقوله: (أفرأيتم اللاّت والعزّى * ومناة الثالثة الاُخرى ) انظروا إلى أصنامكم، وفكِّروا جيداً، أتستطيع أن تضُرّ أو تنفع ، أو لها قدرة على التأثير في تلك العوالم.
    ويتردّى التفكير الجاهلي فيصوِّر الملائكة إناثاً، وأنّهنّ بنات الله.. والقرآن يردّ على هذا التفكير المتخلِّف، ويخاطبهم ساخراً بتلك العقلية: (ألكُم الذّكر وله الاُنثى * تلك إذاً قسمة ضيزى ).
    إنكم ترفضون البنات، وإذا بُشِّر أحدكم بالاُنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، فكيف وأنكم تحبون أن يكون أبناؤكم ذكوراً تجعلون لله البنات؟ فها أنتم تقسمون، حسب اعتقادكم المتردي، أنَّ لكم الذكر، ولله الأنثى، إنها قسمة غير عادلة.. ثمّ يعقّب أن كلّ ما قلتموه إن هو إلاّ وهم لا وجود له، وأسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، فسميتم أصنامكم اللات والعزى ومناة، وأدّعيتم أنها آلهة، وأنها أسماء ملائكة هي بنات الله.. إن كلّ ذلك لَوَهْم وخرافة، ما أنزل الله بها من سلطان.. من كتاب أو بيان.
    ثمّ يعقّب القرآن على تلك الخرافات الجاهلية فيقيِّمها بأ نّها ظنون وهمية، وميول نفسيّة ضالة.. اتّبعها أولئك الجاهليّون، وتركوا الهدى الذي جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) مؤيّداً بالدليل والبرهان على ما بلّغ وبيّن للناس :
    (أم للإنسان ما تمنّى * فللّه الآخرة والاُولى ).
    تختزن هاتان الآيتان من المعاني والمفاهيم التربوية والتوجيهية للإنسان ما يُقوِّم فكره وسلوكه، وينقذه من الوهم والأماني الكاذبة الخدّاعة، والبعيدة عن الواقعية والموضوعية الفعلية، ليتعامل مع الحقيقة كما هي.
    فالقرآن يسأل الإنسان أيستطيع أن يحقّق ما يتمنى، وأن الوجود والقضايا تتحقق بمجرد حصول الرغبة والتمني عنده، إنّه لا يملك من هذا الوجود شيئاً، إن كلّ شيء هو ملك لله، فللّه الآخرة والاُولى، وعلى الإنسان أن يسعى وفق قوانين هذا الوجود، فليس للإنسان إلاّ ما سعى.
    وفي آية التمنِّي ـ كما يقول المفسِّرون ـ ردّ على أمنيات الكافرين الذين قالوا أنّ أصنامهم تشفع لهم يوم القيامة .
    * * *
    (وكم من ملك في السّماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) .
    وهذه الآية تتحدث عن مسألة عقيدية هامة، وهي مسألة الشفاعة في عالم الآخرة، فهي تؤكِّد حصول الشفاعة للملائكة، غير أن هذه الشفاعة لا تحصل لمستحقها إلاّ من بعد أن يأذن الله لهم ويرضى.
    وقد تحدث القرآن في مواقع كثيرة عن الشفاعة، وجاءت الروايات عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) مخبرة بحصول الشفاعة يوم الحساب، وأن الأنبياء يشفعون، والأئمّة الهداة يشفعون، والمؤمنين والصالحين يشفعون، وتلك الشفاعة لا تكون إلاّ من بعد أن يأذن الله ويرضى .
    * * *
    (إنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرةِ ليسمّون الملائكة تسمية الاُنثى ).
    يعود القرآن في هذه الآية فيعرِّف بعقيدة أولئك الذين لا يؤمنون بعالم الآخرة، الذين يقولون بأن الملائكة إناث وأنهن بنات الله.
    إنّهم بنوا تلك المعتقدات الباطلة على الظن والجهل، وما لهم من علم ولا معرفة بذلك.
    والقرآن كما يهاجم هذا التفكير الخرافي في هذه الآية يثبِّت قاعدة علمية لفهم العقيدة والشريعة، وهي رفض الظن، فالظن لا يوصل إلى الحق، ولا يدعو إلى إقامة العقيدة والمواقف على أساس العلم، فالظن في مفهوم هذه الآية ضرب من ضروب الجهل، لا يُعتمد عليه، ولا يُركن إليه في الإعتقاد، أو القضاء، أو اتخاذ القرارات، أو إطلاق الأحكام.
    ثمّ يخاطب نبيه محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: (فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلاّ الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلَّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ).
    أترك يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أولئك المعرضين عن الإيمان والتوحيد والجزاء، فقد تركّز همُّهم في الدنيا، ولم تتخط عقولهم ما يحيط بهم من مظاهر الحياة، فذلك منتهى ما توصلوا إليه من علم، وأغلقوا قلوبهم وعقولهم، وصمُّوا آذانهم، فلا يريدون الإستماع إلى الهدى الذي جاءهم. إن ربك يا محمّد هو أعلم بالضالين الذين لا يريدون الهداية، وهو أعلم بمن يهتدي، فاتركهم، فقد أدّيت ما عليك من بلاغ، وأقمت الحجة والدليل.
    * * *
    الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الاِْثْمِ وَا لْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ا لْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِنَ ا لاَْرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنفُسَـكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32) أَفَرَأَيْـتَ ا لَّذِي تَوَلّى (33) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى(34)أَعِـندَهُ عِلْمُ ا لْغَيْـبِ فَهُوَ يَرى(35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسى (36)وَإِبْرَاهِيمَ ا لَّذِي وَفّى (37)أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَن لَيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلاَّ مَا سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ ا لْجَزَاءَ ا لاَْوْفَى (41)وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ ا لْمُنتَهَى (42)

  5. #5

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    شرح المفردات الآيات (32 ـ 42)
    اللّمم :صغائر الذنوب.
    أكدى :امتنع عن العطاء لبخله امتناعاً شديداً.ألاّ تزر وازرة وزر
    أخرى :يقصد بالوزر هنا الذنب; والمعنى: لا تتحمل نفسٌ ذنب غيرها.
    المعنى العام الآيات (32 ـ 42)
    ويتواصـل قوله تعالى : (ليجزي الذين أسـاؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسـنوا بالحُسنى ) يتواصل مع ما سبق من قوله تعالى: (إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى )، ليكوِّن سياقاً تعبيرياً واحداً يفصح عن أن عاقبة الذين علم الله بهداهم أو ضلالتهم أن يجازي كلاًّ بما قدّمت يداه .
    وجاء قوله تعالى: (ولله ما في السماوات والأرض ) كلاماً اعتراضياً فيما بين جملتي السياق ; ليضيف معنى آخر لما أراد بيانه، وهو أن مالك السماوات والأرض، قادر على أن يجزي كلا من المحسن والمسيء بعمله.
    ويصف المحسنين الذين سيجزون بالحسنى بأنّهم : (الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللَّمم ...) فأولئك الذين أحسنوا قد أطاعوا الله فاجتنبوا كبائر الذنوب كالكفر والقتل والسرقة وشرب الخمر، كما تركوا الفواحش، وهي من كبائر الذنوب البشعة، كالزِّنا واللّواط ، وكلّ ما أوعد الله عليه بالنار والعذاب .
    إنّهم عصموا أنفسهم عن تلك الموبقات والفواحش، غير أن الإنسان مهما عصم نفسه، ما لم يعصمه الله سبحانه، فهو معرّض للزّلل والوقوع في صغائر الاُمور، التي سـمّاها القرآن اللَّمم .
    وفُسِّر اللّمم أيضاً بأ نّه الذنب (صغيراً كان أو كبيراً) يعرض للإنسان اتفاقاً من غير عادة أو إصرار، فيتوب ويستغفر، ويُوضّح ذلك قوله تعالى: (والّذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يُصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون )(2) .
    واللّمم مغفور لأولئك المحسنين الذين جاهدوا من أجل تطهير أنفسهم من كبائر الإثم والفواحش، ولا يُصرّون على اقترافها. فمثل تلك الخطايا العارضة مغفورة، فالله واسع المغفرة، فهو يعلم بحقيقة تكوين الإنسان، وأ نّه معرّض للوقوع في الخطأ والمعصية. فهو العالم بنشأته وتكوينه النفسي والعقلي والجسمي والإرادي مذ خلق آدم من تراب الأرض، ومذ كان الإنسان جنيناً في بطن أمه; لذلك فتح أمامه باب التوبة والعفو والمغفرة. وفي كلّ الأحوال فإن الإنسان كائن ذو إرادة واختيار، وبذا يكون قادراً على تشخيص مساره في الحياة، بعد أن أوضح الله سبحانه أمامه الطريق والمسار. قال تعالى: (وهديناهُ النجدين ).
    وطبيعة الإنسان التكوينية، واستعداده لتقبل الخير والشر، وتفاعله مع المثيرات السلوكية المختلفة لا تعطي الإنسان الحق في أن يدّعي تزكية نفسه، فهو معرّض للوقوع في المعصية من الكبائر والفواحش واللمم، لذلك نهاه القرآن عن أن يدّعي تزكية نفسه ، فالله أعلم بمن اتقى، واستقام على الهدى.
    * * *
    (أفرأيت الذي تولّى * وأعطى قليلا وأكدى * أعنده علم الغيب فهو يرى ) .
    أرأيت يا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الذي تولى يوم أُحد، وترك موضع المواجهة للعدو. إنّه يقطع عطاءه ونفقته في سبيل الله مخافة الفقر.
    وفي هذه الآية : (وأعطى قليلا وأكدى ) يخاطب القرآن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مذكّراً بحادثة وقعت في المجتمع الإسلامي آنذاك ; وهي كما يرويها المفسرون: «أن رجلا من المسلمين كان ينفق من ماله في سبيل الله فلامه بعض الناس على كثرة الإنفاق، وحذَّره وخوَّفه بنفاد المال والفقر، وضمن حمل خطاياه وذنوبه، فأمسك عن الإنفاق، فنزلت هذه الآية» (3).
    والقرآن في خطابه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يوجه النقد واللوم إلى هذا الصنف من الناس، الذي يمتنع عن الإنفاق في سبيل الله خشية الفقر، كما يؤكد في الوقت ذاته أن الذي قال له لا تنفق وأنا أحمل عنك خطاياك، إنّما هو كاذب، يطلق القول جزافاً، فلا أحد يتحمّل عن غيره.. ثمّ يوجه اللوم إلى هذا الإنسان الذي أعرض عن الإنفاق، وقطع عطاءه، ويؤنِّبه لأ نّه قطع العطاء خوفاً من الفقر، فهو يسأل مستنكراً : هل لديه علم الغيب فهو يرى ما سيحدث له ، وأنّ إنفاقه سيقوده إلى الفقر مستقبلا أم هو الرّجم بالغيب ؟
    وفسّرها الطبرسي في مجمع البيان بأ نّها تعني: أعنده علم ما غاب، فهو يعلم أن الذي نهاه عن النفقة ، ووعده بتحمل العذاب عنه يوم القيامة ، سيتحمل عنه .
    * * *
    ومع الحديث في تلك الحادثة يذكِّر القرآن بما في صحف موسى وإبراهيم (عليهما السلام)، فيسأل : (أم لم ينبّأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفّى ألاّ تزر وازرة وزر اُخرى * وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى * وأنّ سعيه سوف يُرى * ثمّ يجزاه الجزاء الأوفى ) .. يذكِّر بما فيهما من موعظة وعقيدة وحكمة .
    وفي قوله تعالى : (وإبراهيم الذي وفّى)مدح وثناء على وفاء إبراهيم (عليه السلام) ليقدِّمه مثالا للوفاء تقتدي به البشرية ..
    إنّه يريد القول بأن هذا الذي امتنع عن النفقة خشية الفقر وتصديقه بأن غيره يحمل عنه خطاياه لم يخبر بما في توراة موسى وصحف إبراهيم (عليهما السلام)، ثمّ استعرض القرآن ما في هذه الصحف مما جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليعرِّف وحدة العقيدة، واُسس الدين الإلهي لدى الأنبياء جميعاً. ثمّ يستعرض تلك المبادئ، فيثبِّت قاعدة العدل القضائي، قاعدة الجريمة، وأنّ العقوبة شخصية لا يتحمّلها غير الجاني .
    روى المفسرون أنّ من ممارسات التخلّف والجهل والعصبية التي عاصرها إبراهيم (عليه السلام) كان يؤخذ كلّ ذي صِلَة بذنب وجريمة من له صلة به ، كالأخ والزوج والإبن والعبد والسيد ... إلخ ، فجاء هذا المبدأ القضائي العادل الذي وضع اُسس العدالة على يد إبراهيم (عليه السلام) انّ الجاني هو وحده الذي يتحمل مسؤولية جنايته وكما يجري هذا المبدأ في عالم الدنيا فهو ذاته جار في قضاء الله وعدله يوم الحساب. فلِمَ يُصدّق هذا الذي أعطى قليلا وأكدى. أن غيره سيتحمّل عنه ذنوبه يوم الحساب؟
    ليعلم الإنسان أن ليس له إلاّ ما سعى، لا يحصل إلاّ على ما عملت يداه من خير أو شر، وأ نّه سيرى نتائج عمله يوم الحساب، ويراه الآخرون فيعرفون هذا المبدأ الحق. وسيُوفّى جزاء عمله كاملا غير منقوص، وذلك عدل الله سبحانه في الوفاء .
    والآية كما توحي بدلالات اُخروية توحي بدلالات في عالم الإنسان الإجتماعي في الحياة، فهي حثٌّ على العمل والجد ، وتربية للإنسان على فهم مبدأ المسؤولية الشخصية في الحياة، فلا يلوم غيره ما دام هو المقصِّر، التارك للسعي والتحصيل. ويتناغم مع مدلول هذه الآية قوله تعالى: (أم للإنسان ما تمنّى ).. إنّ ما تمّ عرضه في هذه الآيات هو موجود في صحف إبراهيم ، وفي صحف إبراهيم أيضاً ثبّت الله سبحانه مبدأ عقيديّاً يشهد به الكون، وحال الإنسان ذاته، وهو أن المرجع والمصير إلى الله سبحانه، كما أنكم في رحاب سلطانه في عالم الدنيا، وستحاسبون على ما تفعلون.
    ويستمر القرآن في بيان ما يختص به الله من الفعل، فهو خالقه وموجده، وذلك من دلائل الربوبية والوحدانية.. فيوضِّح أنَّ ما تجدونه من انفعالات وجدانية، وتمييز الإنسانية عن غيرها من الأحياء من الضحك والبكاء، هو من خلق الله وايجاده فيكم، فهو الذي أوجد في الإنسان قابلية الفرح والحزن وهي من أعظم آياته ، ودلائل قدرته سبحانه في خلق الإنسان .
    فصار الإنسان بذلك يتعامل مع المُسرِّ والمحزن، ويميِّز بينهما ، وأنكم بذلك أيضاً تتلقون نتائج أعمالكم يوم الجزاء، فمنكم من يُسرُّ، ومنكم من يحزن. كلّ بما سعت يداه.
    * * *

  6. #6

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    * * *
    وَأَ نَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)وَأَ نَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَى (44)وَأَ نَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَا لاُْنثَى (45) مِن نُطْفَة إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ ا لاُْخْرَى(47)وَأَ نَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48)وَأَ نَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49)وَأَ نَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ا لاُْولَى (50)وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51)وَقَوْمَ نُوح مِن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)وَا لْمُؤْتَفِكَـةَ أَهْوَى (53)فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54)فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارَى (55) هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ ا لاُْولَى (56) أَزِفَتِ ا لاْزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (58)أَفَمِنْ هذَا ا لْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59)وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ (60)وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (61)فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) .
    شرح المفردات الآيات (43 ـ 62)
    أغنى وأقنى : أغنى; أعطى العباد ما فيه غناهم وسدّ حاجتهم. وأقنى: أعطاهم ما يدّخرونه من مال، وقيل هو الذي أفقر وحرم من العطاء.
    الشِّعرى : اسم نجم ، كانت قبيلة خزاعة تعبده في الجاهلية.
    والمؤتفكة أهوى:المؤتفكة:المنحرفة عن الوجهة التي يجب أن تتجه إليها،ويقصد بها قرى قوم لوط التي قلبت وخسفت بأهلها لشذوذهم وانحرافهم الجنسي، وتكذيبهم لنبيِّهم (عليه السلام).
    فبأيِّ آلاء ربك تتمارى :فبأي نعم الله تشك، وترتاب في دلالتها على وجود الله، وفضله عليك.
    أزفت الآزفة :أزفت; دنت، والآزفة: اسم من أسماء القيامة، وسمِّيت بالآزفة ; لأ نّها في تقدير الله قريبة الوقوع. والمعنى: دنت القيامة.
    سامدون :غافلون عن ذلك اليوم الرهيب، يوم القيامة.
    المعنى العام الآيات (43 ـ 62)
    ومن مظاهر ربوبيّته وتفرد قدرته أ نّه هو الذي خلق الموت والحياة، وهو الذي خلق الزوجين الذكر والاُنثى; لينشئ أجيال الإنسان، وليعمر الأرض، ويحقق الخلافة فيها. مبتدئاً خلق الإنسان في رحم اُمه من نطفة، من مادة الرجل المقدّرة في علمه تعالى، التي يخلق منها الذكر أو الاُنثى، ليتكاثر النوع، ويتحقق البقاء.
    وهو سبحانه كما خلق النشأة الاُولى، وخلق الإنسان في هذه الحياة، فإن عليه النشأة الاُخرى، إنه متعهّد بإعادتكم وحسابكم والوفاء بما وعد. فقد أوجب على نفسه ذلك، وهو ما توحي به الآية الكريمة : (كتب على نفسه الرحمة ليَجمعنَّكم إلى يوم القيامة )(4).
    وأن خالق الإنسان هذا الضاحك الباكي، وخالق الموت والحياة ومبدع الزوجين الذكر والاُنثى هو الذي أغنى الخلائق وسدَّ فقرها، ووفّر لها ما تحتاجه في وجودها، وهو الذي وهبكم ما تقتنون من نفائس، ومُدَّخرات للزينة والجمال والإدّخار.. وقيل أن معنى أقنى: أفقر. وبذا يكون معنى الآية هو الذي أغنى وأفقر، ومجموع ما سلف من الآيات توحي بأنّ المتصرّف في الخلق، والمدبّر له هو الله وحده. فليس لِما تدعون أو تعبدون من أوثان ونجوم وملائكة أو غيرهم من أثر في الكون، بل هي مخلوقات لله سبحانه، فهو رب الشعرى ، النجم الذي يعبده بعضكم(5) ..
    ويواصل القرآن حديثه عمّا في صحف موسى وإبراهيم من موعظة، فيذكِّر بأن الله سبحانه ثبت في صحف موسى وإبراهيم (عليهما السلام)هلاك عاد الاُولى، وهم قوم النبي هود (عليه السلام) ، وسـمّاها بالاُولى لوجود عقب لهم كانوا عاداً الاُخرى بعد هلاك عاد الاُولى بريح صرصر عاتية.
    وممّا جاء في صحف موسى وإبراهيم الإخبار بهلاك ثمود بذنوبهم، وهم قوم النبي صالح (عليه السلام) كما أهلك الله عاداً الاُولى. ومن قبل ذلك كله، ومن قبل موسى وإبراهيم، كان قوم نوح الذين بالغوا في الظلم والطغيان، فكانوا أكثر ظلماً وطغياناً من قوم عاد وثمود، فأهلكهم بطغيانهم.
    وممّن أهلك الله سبحانه من أقوام أجرمت وظلمت وطغت، هم قرى قوم لوط التي سـمّاها القرآن بالمؤتفكة المنحرفة التي هوت وقُلبت بأهلها ، بعد أن اقتلعها جبريل وحملها، ثمّ ألقى بها فهوت، وأمطر الله عليهم الحجارة المسوّمة ، فأبادهم بذنوبهم. فكانت أشدّ عذاباً ممّا سبقها ; لذلك قال تعالى: (فغشيها ما غشّى ).. أي فألبسها من العذاب والتنكيل ما يجل عن الوصف، كما يقول بعض المفسِّرين.
    وبعد أن ساق القرآن كلّ تلك الأمثلة الواردة في صحف موسى وإبراهيم وغيرها من نعم وابداع الخلق، وتنظيمه، وتثبيت اُسس العدل، واهلاك المجرمين، وتطهير الأرض من الجريمة، يوجه خطابه إلى الإنسان مستفهماً استفهام المستنكر: بأي نعم ربك تلك تشكك أيّها الإنسان : (فبأيّ آلاء ربك تتمارى ).
    إن كلّ ذلك هو إنذار وتحذير ليتفتَّح وعي الإنسان وعقله لاستيعاب تلك الدروس التأريخية، وليتفهّم عظمة الله وعدله في خلقه، وليستجيب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر والمحذِّر، ولما جاء في القرآن من تحذير وإنذار.
    فقد أزفت الآزفة وقربت القيامة التي لايستطيع أحد أن يكشف عنها غيره أو يظهرها سواه .. ويفسر هذه الآية قوله تعالى : (لا يجليها لوقتها إلاّ هو ) ، ذلك لانه هو وحده العالم بوقت وقوعها.
    ثمّ يعود القرآن فيخاطب اولئك المعاندين ليوبّخهم على استهزائهم بالقرآن وضحكهم منه واستخفافهم به ، فيخاطبه : (أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون ) ، أ لَيْس الأجدر بكم أن تبكوا من أهوال ذلك اليوم ، (وأنتُم سامدون ) أي غافلون عمّا سيحدث ويقع يوم القيامة،استفيقوا من غفلتكم وعودوا إلى عقولكم ، واسجدوا لله واعبدوه وحده لا شريك له.
    * * *
    تعريف
    1 ـ في هذه السورة أنذر القرآن الناس باقتراب الساعة ، ليدعوهم إلى التهيؤ والاستعداد ليوم المصير.
    2 ـ سجّلت هذه السورة حدثاً معجزاً للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو انشقاق القمر ، لاثبات نبوّته (صلى الله عليه وآله وسلم) للمشركين ـ كما روى المفسِّرون ـ .
    3 ـ في هذه السورة كرّر الله سبحانه حقيقة هامة ، وهي تيسير القرآن للفهم ، وخلوّه من التعقيد ، ليكون دليلا للبشرية جميعها ، وليس كتاب فئة خاصة ، رغم ما حوى من غزير العلم ، وما اختزن من جليل المعرفة; لذلك كرّر القول أربع مرات في هذه السورة (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدّكر ).
    4 ـ تحدّث الوحي في هذه السورة عن عناد المجرمين واصرارهم على تكذيب الحق ، ليعرِّفنا بالطبيعة النفسية لهذا الصنف من الناس ، وليُكوّن لدينا الوعي الكافي عند التعامل معهم.
    5 ـ قدّمت هذه السورة وصفاً للوضع المذل الذي يحيط بالكافرين والمكذّبين يوم الحساب.
    6 ـ في هذه السورة فصّل الله سبحانه ما جاء في سورة النجم التي سبقتها موجزاً من أحداث التأريخ الكبرى . فقد ذكر في سورة (النجم) حوادث تدمير قوم نوح وعاد وثمود ولوط . وذكرها بقوله: (وأنّه أهلك عاداً الأُولى * وثمود فما أبقى * وقوم نوح من قبل إنّهم كانوا هم أظلم وأطغى * والمؤتفكة أهوى ) ، في حين ذكر في سورة القمر تفصيل هذه الحوادث ، كما سيأتي ذكرها . فكأنها جاءت متكاملة معها في الأهداف والموضوع .


  7. #7


    الصورة الرمزية 4MAX
    الإشراف العام

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    فى القلب
    العمر
    29
    المشاركات
    19,932
    Thanks
    983
    Thanked 241 Times in 199 Posts
    الصور
    6
    معدل تقييم المستوى
    462

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    جزاك الله خيرا
    ان لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس
    حببهم للخير وحبب الخير لهم
    اولئك هم الامنون من عذاب الله يوم القيامه
    =====

    بروا آبائكم يبروكم أبنائكم




    ĎΞs!GŖ

    مركز طريق الجرافيك التعليمي

  8. #8

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2

    وانت ايضا اخى الكريم


 

 

المواضيع المتشابهه

  1. القرأن الكريم
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08 / 10 / 2012, 26 : 08 PM
  2. تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون 5
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 50 : 08 PM
  3. تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 4
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 49 : 08 PM
  4. تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 48 : 08 PM
  5. تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 43 : 08 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 14 : 07 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Search Engine Optimization by vBSEO