Follow us on Facebook Follow us on Twitter Linked In Flickr Watch us on YouTube My Space Blogger
التسجيل
النتائج 1 إلى 10 من 10

تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

هذا الموضوع : تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3 داخل القسم الإسلامي والدينيالتابع الي قسم ملتقى الأعضاء : سورة القـمر « مكيّة ، وهي خمس وخمسون آية » بسم الله الرّحمن الرّحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ ا لْقَمَرُ (1) ...

  1. #1

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    سورة القـمر« مكيّة ، وهي خمس وخمسون آية »
    بسم الله الرّحمن الرّحيم
    اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ ا لْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْر مُسْتَقِرٌّ (3)وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الاَْنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5)فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْء نُكُر (6) خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَْجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) .
    شرح المفردات الآيات (1 ـ 8)
    جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر :جاء من أنباء الاُمم وأخبارها وما عرّفناهم به من حوادث القيامة والحساب، مايكفي لمنعهم عن المعصية، لو كانوا يتّعظون.
    يوم يدع الداع الى شيء نُكر :يوم يدعوهم الداعي الى شيء لم يروا مثله، والمراد من هذه العبارة، هو أنهم يُدعون إلى الحشر; لينتهوا إلى النار والعذاب.
    الأجداث :القبور.
    مهطعين الى الدّاع :ناظرين إلى الدّاعي ، مشدودة أبصارهم إليه .
    المعنى العام الآيات (1 ـ 8)
    ابتدأ الله سبحانه هذه السورة بانذار مفزع مفاجئ من غير تمهيد ولا تقديم ، ليكون أبلغ في التأثير والتحذير ، وليحدث هزة نفسية قوية التحريك والاثارة.
    ابتدأها بقوله (اقتربت الساعة وانشق القمر). لقد اقترب يوم القيامة ، وانتم لاهون مكذبون ، وانشقاق القمر آية ودليل على نبوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) (6) ، فهلا عاد اليكم الوعي ، وعدتم إلى انفسكم للتأمل والتفكير والسير في مسار النبوة .
    غير ان اولئك المخاطبين مصرون على التكذيب ، وان شاهدوا كل دليل ومعجزة حسية على صدق النبوة ، واتهامها بأنها سحر قوي مهيمن على العقول ، انهم يتبعون اهواءهم المتحللة المنحرفة التي تدعوهم إلى رفض الإيمان مخافة ان يقودهم إلى الحق والاستقامة والالتزام السلوكي ، ان مواقفهم تلك لا تغير من الحقيقة شيئاً ، فكل امر مستقر ، خيراً كان أم شراً ، كل شيء قد اتخذ موقعه في عالم الوجود ، فالنبوة ثبتت ، وعالم الآخرة قائم موجود ، ولقد قامت عليه الحجة وجاءهم من البيان والانذار ومواعظ التأريخ ما فيه الكفاية لردعهم ، وإعادتهم إلى الصواب . غير انهم مصرون ، فما تنفع النذر والمواعظ بعد الحكمة البالغة التي جاءهم بها القرآن .
    * * *
    ثمّ يترك القرآن الحديث عن اولئك المجرمين فيخاطب نبيه الكريم محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)ويدعوه إلى تركهم وعدم الانشغال بالرد على سفههم واقوالهم بعد إقامة الحجّة والدليل... اتركهم يا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، اتركهم إلى ذلك اليوم الرهيب ، يوم يدعوهم الداعي للخروج من القبور إلى شيء نكر ، إلى شيء لم يألفوه ، ولم يفكروا به ، ولم يتصوّروا أهواله ، وهو العذاب المهين ، فعندها سيتذكرون ما قلت لهم ... في ذلك اليوم سيخرجون من القبور خروج الجراد من غِيرانها ، مبعثرين مضطربين ، يصطدم بعضهم ببعض ، لا وجهة لهم ولا نظام، من هول الصدمة وذهول المفاجأة ، يعلو أبصارهم الذل والمهانة ، وهي مشدودة مصوبة نحو المنادي الذي ينادي بالبعث والنشور.. وعندها سيواجهون ذلك الموقف المذهل الرهيب ، وسيقول الكافرون هذا يوم عسير .
    * * *
    كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّماءِ بِمَاء مُنْهَمِر (11) وَفَجَّرْنَا ا لاَْرْضَ عُيُوناً فَا لْتَقَى ا لْمَاءُ عَلَى أَمْر قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاح وَدُسُر (13)تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَن كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَد تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُدَّكِر (15)فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ا لْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر (17)كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْم نَحْس مُسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَ نَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْل مُنقَعِر (20)فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ا لْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر (22)كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23)فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلاَل وَسُعُر (24)أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)سَيَعْلَمُونَ غداً مَنِ ا لْكَذَّابُ ا لاَْشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ا لْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْب مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَـاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَـلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِـيمِ ا لْمُـحْتَظِرِ (31) .
    تفسير المفردات الآيات (9 ـ 31)
    وازدجر :طُرد وصُد بالصياح وبالكلام القبيح.
    بماء منهمر :بمطر غزير سريع الانصباب.
    وحملناه على ذات ألواح ودسر : وحملنا نوحاً ومن معه على سفينة مصنوعة من الاخشاب المتماسكة بالمسامير.
    ريحاً صرصراً : ريحاً باردة شديدة.
    تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر : تقتلع الريح الهابّة أولئك الناس المجرمين فترمي بهم كأنهم جذوع نخل انقلعت من أصولها.
    سُعر : جنون.
    كذّاب أشر : كذاب شديد الفرح والدهشة بما عنده.
    ونبّئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر :نبئهم يا صالح أن شرب الماء مقسوم بينهم وبين الناقة، فلكل نصيبه، فيوم لهم، ويوم للناقة، فاذا كان يومهم حضروا للشرب وحدهم، وإذا كان يوم الناقة حضرت للشرب وحدها.
    كهشيم المحتظر :المحتظر: الذي يبني لغنمه حظيرة، والهشيم: حطام الشجر، والمعنى: انّ قوم صالح صاروا حطاماً كحطام الشجر الذي يجمعه صانع الحظيرة لبناء حظيرته.


  2. #2

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    المعنى العام الآيات (9 ـ 31)
    بعد هذا التعريف بأحداث قوم نوح ، وما سبقها من أنباء الآخرة ، خاطب البشرية جميعها بقوله : (ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر ) . ففي هذه الآية يتحدّث عن وضوح القرآن ويسر فهمه ودلالته لمن أراد ان يهتدي ويستحضر في نفسه عظمة الله ويكون من الذاكرين . ثمّ يستفهم داعياً للتذكّر ، وحاثّاً على قبول الهدى بقوله: (فهل من مُدّكر ) ، هل من مفكر متأمل يعرف صدق هذه الدعوة فيؤمن بها ؟
    ويعود فيعرض صورة اُخرى من حوادث التاريخ المروعة ، وهي ما حلّ بقوم عاد من عذاب ودمار بعد ان كذبت هوداً (عليه السلام) ، فكيف كان ذلك العذاب وكيف كان ذلك النذير ، لقد كان نكالا وفناء لهم ، ودرساً وانذاراً لمن يأتي بعدهم ... لقد أُهلكوا بريح عاتية عاصفة ، هبّت عليهم في يوم شؤم وانتقام فاستمرت سبع ليال وثمانية أيام متصلة بعذاب الآخرة ، فما انتقلوا من عذاب الدنيا حتّى حلّوا بعذاب الآخرة ... ولكي يحضر صورة الحدث مجسّدة أمام الإنسان المخاطب، صوّرهم بصورة جذوع النخل الذي تقلعه الرياح العواصف من أصوله فتلقي بها مبعثرة هنا وهناك .
    وتلك صورة من صور العذاب والانتقام الدنيوي ، فما أعظمه من عذاب وانتقام .
    * * *
    ويُكرِّر الله سبحانه قوله : (ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر ) ليلفت نظر الإنسان الى فضل الله عليه ، إذ سهّل له طريق الهداية والبيان ، ثمّ يسرد القرآن حوادث الانتقام من ثمود ، وهم قوم النبي صالح الذين استكبروا ورفضوا اتّباع نبيهم ، لأ نّه بشر مثلهم ، وواحد لا قوّة له ولا أنصار ، وقالوا ان نحن اتبعناه إنّا إذاً لخاطئون وتائهون عن طريق الصواب ، وفي الآية إيحاء بما تعبّر عنه من مواقف الجهل والعناد التي ينقلب فيها الحق باطلا . فقد صوروا اتباع دعوة الهدى والاصلاح ضلالا ، بل ولايفعلها إلاّ من كان في سُعر ، في جنون كما يدعون . . ثمّ يتساءلون كيف ينزل عليه الوحي من بينهم ، وهم لايطّلعون على ذلك انه اذاً كذاب ، انهم يريدون ان يسمعوا نزول الوحي ، أو يروا ملك الوحي ليصدقوا . لذا فانهم يتهمون نبيهم بأنه كذاب متكبر أصابه البطر ، ودعاه ذلك لأن يظهر فيهم كعظيم متفوق عليهم ، انهم يتهمون نبيهم الذي جاءهم بالاصلاح ورسالة الخلاص .
    * * *
    بعد أن تحدّث القرآن عن المعاندين المكذِّبين برسالة القرآن ، ونبوة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، استعرض لنبيه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) حوادث من أعماق التاريخ واجهها الأنبياء قبله ، ليعرِّف بمسار الصراع بين الأنبياء والطواغيت على امتداد التاريخ البشري ، وليوحي لاجيال المؤمنين ان هذا الصراع سيستمر ولن ينتهي ، فكما كذّب أهل مكّة نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد كذب قوم نوح قبلهم بنبوّة نبيهم ، واتهموه بالجنون وازدجروه، لقد قابلوه بالكلام السيِّئ القبيح ، وبالتهديد بالقتل والوعيد ، يرفعون أصواتهم وانفعالاتهم بوجهه ، انّه الاسلوب التافه الأحمق الذي يتبعه من لا حجة له ولا دليل غير اتهام الدعاة إلى الحق بالجنون واثارة الشبهات واطلاق الكلام البذيء ، ومواجهة الحوار المعقول بالضجيج والصياح المنفعل ... فلم يجد نوح سبيلا غير اللجوء إلى الله يدعوه بالنصر ، فأجاب الله دعوته ..
    ثمّ ينقل القرآن صوراً من كوارث العقاب التي انزلها الله سبحانه بعد اجابة الدعوة بالمكذبين فذكر ما حلّ بقوم نوح ، فكانوا مثلا شاخصاً في مسار التاريخ ، اذ بقي نوح فيهم تسعمائة وخمسين عاماً يدعوهم إلى الإيمان فلم يؤمن منهم إلاّ قليل ، فارسل الله عليهم الطوفان، لقد انهمر الماء من السماء مطراً غزيراً ، وفجرت الأرض ينابيع فالتقى ماء السماء بماء الأرض لتنفذ ارادة الله فيهم ، التقى الماء المنحدر من سحب السماء بالماء المتدفق من عيون الأرض ليتم امر الله، وهو اهلاك المجرمين المكذبين غرقاً ، إلاّ من آمن وصدّق ، فقد حملهم في السفينة التي صنعها نوح 7 من الواح الخشب وشد أجزاءها بالمسامير ، فجرت في تلك المياه الغامرة برعاية من الله وعناية ، جزاءً وتأييداً لنوح الذي كُفر برسالته ونبوّته .. فكان حديث الطوفان والسفينة آية للعالمين ، والقرآن اذ يورد هذا الحدث العظيم يستفهم داعياً إلى استيعاب الدرس ، واستفادة الموعظة بقوله: (فهل من مُدّكر ) ، فهل من متعظ يتعظ بتلك الأحداث والوقائع .
    * * *
    وللتعريف بشدّة العذاب وهوله ، اسـتفهم القرآن قائلا : (فكيف كان عذابي ونذر ) ؟ والاستفهام هنا يستبطن الجواب: ألم يكن عذابي ونذري مرعبة مُدمِّرة ، لا رادَّ لها ، ولا ملجأ منها إلاّ ما شاء الله .
    ويعرض القرآن مثلاً في الحديث عن الامم والاقوام التي كذبت انبياءها فاستحقت العذاب ، انّه يعرِّض قبيلة عاد وموقفها من نبيّها هود عليه السلام، فيحدث أجيال البشرية عمّا حلَّ باُولئك المجرمين إذ أرسل عليهم ريحاً شديدة باردة نحسة مشؤومة ، لقد استمر هبوبها سبع ليال وثمانية أيام حتّى قضت عليهم فكانوا كأعجاز نخل منقلع من الأعماق ، يملأون الأرض مبعثرة جثثهم بهذا الريح العاصف.. لقد استحقوا هذا العقاب الجماعي بجرمهم وفسادهم ، ومثلهم في التكذيب والجريمة ثمود الذين كذبوا نبيهم صالحاً وقالوا كيف يلقى عليه الذِّكر من بيننا ، كيف يلقى عليه الوحي وهو بشر منّا إنّه كذّاب أشر ، سيعلمون من هو الكذاب الأشر الذي يستحق العقاب والعذاب عن قريب ، وهو عذاب يوم القيامة ، انّه تهديد ووعيد لأولئك المجرمين المكذِّبين، لقد أوعدهم بعذاب الغد كناية عن الاستقبال، وقرب وقوعه في حساب الله تعالى .
    ثمّ يتحدّث القرآن عن آية معجزة من معاجز الله سبحانه ، ودلائل تصديقه للأنبياء (عليهم السلام) ، لقد طلب قوم صالح من نبيهم ان يخرج لهم من صخرة الجبل ناقة حمراء عشراء ، تشرب من مائهم ، فتعطي لهم مثل ما شربت لبناً ، فأيّد الله نبيّه وأخرج لهم تلك الناقة كما سألوا ، اختباراً وابتلاء لهم ، وقطعاً لعذرهم ، وقد علم الله سبحانه كذبهم ، وتشبثهم بالاعذار ، فطلب من نبيّه ان يصبر على ما يلاقي من الأذى والاضطهاد ، وينتظر مواقفهم من تلك الآية الحسية الملموسة فان كذبوا فسيحل بهم العذاب .
    وطلب منه (عليه السلام) ، ان يخبر قومه ان شرب الماء مقسوم بينهم وبين الناقة ، فيوم لهم ويوم للناقة ، وليس لهم ان يحضروا الماء ويشربوا يوم شربها ، كما ليس لها ان تحضر وتشرب يوم شربهم ، فكل له نصيبه ، ومع هذه الآية والدلالة والاستجابة للطلب تآمروا فيما بينهم فطلبـوا من أحد أشرارهم ان يقتل الناقة ، فنفذ تلك الجريمة لاصرارهم على التكذيب والاسـتخفاف بأمر الله تعالى ... فحقّ عليهم العذاب فأرسل عليهم الصيحة فاُهلكوا فكانوا كالشجر اليابس المحطّم .
    وأمام هذا المشهد والتصوير المروِّع يسأل القرآن: فكيف كان هذا العذاب ؟ وكيف كانت تلك النذر ؟ ألم تكن انتقاماً واستئصالا ؟ أ لَيْسَت كافية للرّدع والموعظة ؟
    * * *
    وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوط بِالنُّذُرِ (33)إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوط نَجَّيْنَاهُم بِسَحَر (34) نِعْمَةً مِنْ عِندِنَا كَذلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35)وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36)وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْـتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّـرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِر (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيز مُقْتَدِر (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِن أُولئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ ا لْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ ا لْمُـجْرِمِينَ فِي ضَلاَل وَسُعُر (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48)إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (49)وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْح بِا لْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُدَّكِر (51)وَكُلُّ شَيْء فَعَلوُهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِير وَكَبِير مُسْتَطَرٌ (53)إِنَّ ا لْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَر (54) فِي مَقْعَدِ صِدْق عِندَ مَلِيك مُقْتَدِر (55) .
    تفسير المفردات الآيات (32 ـ 55)
    حاصباً :ريحاً رمتهم بالحجارة والحصباء .
    نجّيناهم بسحر :نجيناهم عند انبثاق الفجر .
    أنذرناهم بطشتنا :أنذرهم لوط شدة عذابنا الذي سينزل بهم.
    فتماروا بالنّذر :تماروا : كذّبوا ، وشـكّوا في صدق لوط ، وردّوا عليه بالباطل ، والنّذر : جمع انذار . والمعنى : لم يصدّقوا الانذار الذي أنذرهم به لوط .
    ولقد أهلكنا أشياعكم :لقد أهلكنا أشباهكم في الكفر والضلال.
    وكلّ شيء فعلوه في الزّبر :كلّ شيء يصدر عن الإنسان مُدوّن ومسجل عليه في الزبر، وهي كتب الملائكة الحفظة.
    المعنى العام الآية (32 ـ 55)
    ويقسم الله مرّة اُخرى بقوله : (ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر ) . ليُركِّز في الأذهان يسر القرآن وكفاية ما فيه للهداية ، ولينفي ادعاء من يدعي ان القرآن رموز وطلاسم ومعميات لا تفهمه إلاّ فئة خاصة من الناس ، انه وان حوى من العمق والخزين ما يحتاج إلى علم ووعي استوعبه أهل العلم وأصحاب العقول ، غير انه قرآن ميسر لكل قارئ يفهم لغته ، فهو يوفر لكل مستوى من قرائه ما يكفيه للهداية ، والوصول إلى الله سبحانه ، وتلك معجزة اخرى من معاجزه التي لاتنفد ...
    ثمّ يحضر للاجيال صورة اخرى من صور العذاب الذي حلّ بالمكذبين ، فيتحدث عن الانتقام الالهي من قوم لوط الذين كذبوا بنبيّهم وانتشر بينهم الشذوذ الاخلاقي والانحراف الجنسي، فأرسل الله عليهم لوناً آخر من الوان العذاب ، ارسل عليهم ريحاً شديدة تحمل الحجارة والحصباء فرجمهم بها ، فكان الانتقام والاستئصال الذي لم يستثن إلاّ آل لوط جزاء لايمانهم وبعدهم عن ممارسة الفاحشة ، ونعمة من الله عليهم ، ولم يحل ذلك العذاب إلاّ بعد الانذار والتحذير من لوط عليه السلام لقومه ونهيه المتواصل لهم بترك فاحشة اللواط فلم يستجيبوا ، لقد تمادوا في غيهم حتّى راودوا لوطاً عن ضيفه وكانوا ملائكة ... جاء المنحرفون إلى بيت لوط للاعتداء الجنسي الشاذ على ضيفه ، اذ ظنوهم بشراً مثلهم ، فأعمى الله أبصارهم عنهم ، واستحقوا العقاب لما مارسوا من جرائم واصرار فأنزل الله بهم ذلك العذاب صباحاً، واسـتمرّ بهم حتّى تم القضاء عليهم ..
    وفي الآية إيحاء بعظم جريمة اللواط والشذوذ الجنسي ، إذ جعل عقابها في الدنيا الانتقام والرمي بالحجارة حتّى الابادة . لقد حل بهم العذاب الجماعي بكرة (صباحاً) ، ولم ينج منهم غير آل لوط ، فقد نجاهم الله سبحانه قبل وقوع العذاب ، نجاهم في سحر ذلك اليوم فأذاق الله المجرمين ذلك العذاب المهين جزاء وفاقاً لما عملوا من سوء.
    (ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر) .
    وللمرّة الرابعة يقسم الباري جلّ شأنه على يسر القرآن ووضوح دلالته لمن فتح قلبه وعقله وتلقاه من غير عناد أو تعقيد ، يقسم بقوله : (ولقد يسرنا القرآن للذِّكر فهل من مُدّكر ) .
    وما زال القرآن في هذه السورة يسوق المثل التاريخي تلو المثل ، فيذكر هنا آل فرعون وما حلّ بهم من عذاب فيقول: (ولقد جاء آل فرعون النذر * كذبوا بآياتنا فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ) ، لقد أخذ الله آل فرعون بقوة واقتدار وعزة ومنعة ، فلا صادّ لما حلّ بهم من انتقام ، لقد أهلك الله فرعون وقرابته ، ومن تابعه على كفره وجريمته ، بعد ان كذّبوا ما جاءهم به موسى من نُذُر ، من الآيات ودلائل الاثبات ..
    بعد هذا العرض لاحداث الطواغيت والاُمم الضالّة المنقرضة، يخاطب القرآن طواغيت مكة وكفّارها الذين غرتهم كثرتهم وقوّتهم، يخاطبهم مستفهماً ومستنكراً بقوله: (أكُفّاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) ، أكفّار مكة أقوى وأشد وأكثر مالا وعدداً ، أم اولئك الذين أهلكهم الله ؟ أم لكم براءة مكتوبة في ما أنزل الله من كتب سابقة: أن لن يصيبكم العذاب ؟ لا شيء من ذلك متحقق لكم ، فلستم اكثر ممن سبقكم قوة وجمعاً ، ولستم معفوّين من العذاب بنصّ جاء في كتب الله السالفة، ستجري عليكم السنن التاريخية، وسينتقم الله منكم ، وسيهزم جمعكم ، ويقضى على قوتكم وغروركم .
    لقد تحـقّق وعد الله الغيبي ذلك ، فهزموا يوم بدر ، وقتل طغاة مكة وقادة الشرك والجاهلية ، وحقق الله نصره ومعجزته على يد نبيّه بمعركة بدر الكبرى ، والآية تنبئ عن وقوعها وتخبر عن غيب، وليس منتهى العذاب والانتقام هو الهزيمة والقتل بل ما ينتظرهم عند قيام الساعة أدهى وأمر ممّا سيحلّ بهم في عالم الدنيا. وهو الموعد للحساب والعذاب الخالد المهين ، ان المجرمين في بُعد عن الحق والهدى وسيقودهم ذلك إلى السعير والعذاب ، يسحبون على وجوههم في النار جزاء كفرهم وكبريائهم .
    إنّه المصير الذي ستنتهون إليه أيها المجرمون ، وستذوقون عذاب جهنم ، انها حقيقة واقعة تخاطبون بوقوعها فذوقوا مسّها .
    (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر ) وفي هذه الآية، رغم وضوح دلالتها، نجد محتوى علمياً دقيقاً يشهد بالوهية القرآن ، فالقرآن هنا يكشف سراً علمياً من اكثر الاسرار واخطرها أهمية في عالم الكائنات ، وتشهد الدراسات العلمية الحديثة بهذه الحقيقة ، وهي أن كل شيء قد خلقه الله بقدر محدود ومحسوب ، فمثلا كمية الحرارة والبرودة والاوكسجين والنيتروجين وثاني أوكسيد الكاربون وجاذبية الأرض والضغط على سطح الأرض ونسبة الأملاح والسكر والحديد في الجسم البشري... إلخ، لو اختلّ بعضها لدمرت الأرض واستحالت الحياة عليها ولاضطرب نظام الجسم وصحة الإنسان.
    والقرآن يتحدّث في مورد ، وهو مورد العذاب والاستحقاق المتكافئ ، ويؤكد ان هذا الجزاء هو جزاء مقدر ومحسوب بشكل يكافئ فعلهم وجريمتهم، وهذا القانون : (كلّ شيء خلقناهُ بمقدار ) هو قانون عام ينطبق على الاشياء جميعها بما فيها فعل الإنسان وجزاؤه.


  3. #3

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    (وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح البصر ).
    وفي هذه الآية يعرّف الله سبحانه بقدرته الفائقة وهيمنته الفريدة على العوالم كلها ، يوضح للإنسان انّ الله إذا أراد شيئاً انّما يحدث بكلمة واحدة من ربِّ العزّة، وهي موضّحة بقوله تعالى: (إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) ... ويقرب صورة حدوث الأشياء وفنائها بأسرها للذهن البشري فيصفها بلمح البصر ، فلا شيء يمتنع عن إرادته ومشيئته ، فهو القادر على أن يعيدكم ويقيمكم للحساب والجزاء بهذه السرعة الفائقة ، وتفيد الدراسات الفيزيائية الحديثة انّ هذا العالم يمكن فناؤه بسرعة الضوء بانفصال شحناته بعضها عن بعض وانحلاله انحلالا تامّاً .
    (ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدّكر ).
    ويعود القرآن فيذكّرهم بهلاك الاُمم الماضية التي شابهتهم بالكفر والفساد والجاهلية على الكفر والضّلال ليكون نذيراً لهم وموعظة ، فانّ الذي أهلك أمثالهم في الكفر والطغيان قادر على أن يهلكهم .
    (وكلّ شيء مكتوب في الزّبر * وكلّ صغير وكبير مستطر ).
    وهذه الآية تذكّر بأن كل شيء يصدر عن الإنسان انما هو مدوّن ومسجل عليه ، ولا شيء يضيع منه ، مدون في كتب الملائكة الحفظة ، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى: (إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ).
    ويعود القرآن فيكشف سراً آخر من اسرار الخليقة ، فيبيّن للإنسان ان هذا العالم وما فيه يجري وفق ضبط ونظام وحساب الهي دقيق; فكل صغير وكبير فيه مدون ومحفوظ ومقدر من الآجال والرزق والموت والحياة والحوادث ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك كما ذكر الطبرسي في المجمع : ان كل صغير وكبير فعلوه هو مثبت ومسجَّل عليهم .
    (إنّ المتّقين في جنات ونهر * في مقعدِ صدق عند مليك مُقتدِر ).
    ويختم الله سبحانه هذه السورة بوصف الجزاء الخالد والنعيم الدائم الذي أعدّه الله للمتقين . انّهم في جنات تجري فيها انهار الماء والخمر والعسل ، في مجلس لا لغو فيه ولا تأثيم ، رفيع الدرجات والمقام، قد أعده لهم المليك المقتدر بواسع فضله ورحمته . فهم في ظل رحمته، وفي جواره وكرمه.
    * * *
    تعريف
    1 ـ بعد أن ختم الله سبحانه سورة القمر باسمه، ووصف نفسه سبحانه بأنه مليك مقتدر فقال: (في مقعد صدق عندَ مليك مُقتدِر ) افتتح هذه السورة باسمه (الرّحمن)، وتحدّث للبشرية عن نعم الله تعالى على الإنسان ، وعن عظيم قدرته في الخلق والتكوين ليلفت نظره الى عظمة الخالق، ووافر نعمه، ويدعوه للتفكر فيها، والإعتبار بها، وهو يكرر الخطاب الإستفهامي للجن والإنس الذي يحمل الإستنكار، والتعجب من نكران النعم والإحسان .
    يكرِّر قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تُكذِّبان ). كلّما تحدّث عن نعمة وفضل وقدرة إلهية .
    وفي هذه السـورة تراه يسوق الخطاب العقيدي والأخلاقي ، ويربط بين الأخلاق والإيمان بقوله: (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ). وبذا يبني قاعدة أخلاقية كبرى في حياة البشرية. يتعامل بها الإنسان مع ربه، كما يتعامل بها مع مجتمعه، وهي مقابلة الإحسان بالإحسان .
    وهكذا يضع القرآن بين أيدينا ثلاثة مقاييس: قانونية وفكرية وأخلاقية، للسلوك والتعامل البشري المستقيم العادل ، وهي :
    أ ـ القرآن : بما يحمل من قانون وشريعة . لذا قال : (علّم القرآن ).
    ب ـ الميزان : القيم والضوابط التي توزن بها الأشياء، وتعرف وتقدّر، سواء أكانت مادية، أو معنوية واعتبارية، يدرك العقل البشري حسنها وضرورتها: (ووضع الميزان).
    ج ـ مقابلة الإحسان بالإحسان . بعد الدعوة اليه، والبدء به. فهو أوّل المحسنين، ومنه كلّ احسان، هو الله سبحانه، (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ) هذا المبدأ الأخلاقي الذي يدركه الإنسان بحسه الفطري.
    ويجمع القـرآن كلّ هذه المعاني في آية من سـورة الحديد بقوله: (وأرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط... ).
    2 ـ وفي هذه السورة تحدّث القرآن عن جزاء المحسنين، وَوَصف الجنة والنعيم وصفاً يستهوي القلوب ، ويحلّق بالنفس في آفاق الجمال، حتى تتحوّل العبارات الى صورة، والبيان اللّفظي الى تجسيد يحسّه القارئ ، ويعيش في أجوائه المتلقي، وكأ نّه يتحرك في ذلك العالم، ويرى حقائقه تنبض بالحياة، وتتألق بالنور والجمال. وقد استغرق وصف الجنة والجمال في هذه السورة احدى وثلاثين آية من مجموع (78) آية .
    صوّر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) هذا الوصف بإيجاز بليغ ، فقال : «لكلِّ شيء عروس ، وعروس القرآن سورة الرّحمن جلّ ذكره»(7) .
    3 ـ افتتح الوحي هذه السورة باسـمه تعالى : (الرّحمن) واختتمها بالثناء على اسمه المبارك : ذي الجلال والإكرام ، الثناء على ما أفاض من خير يلازم ذاته وفعله . فسار بالإنسان من خلال هذه السورة بين فيوضات الرحمة والبركات والخير والجلال والإكرام.

  4. #4

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    سورة الرّحمن« مكيّة أو مدنيّة ، وهي ثمان وسبعون آية »
    بسم الله الرّحمن الرّحيم
    الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)خَلَقَ ا لاِْنسَانَ (3)عَلَّمَهُ ا لْبَيَانَ (4)الشَّمْسُ وَا لْقَمَرُ بِحُسْـبَان (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْـجُدَانِ (6)وَالسَّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ا لْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي ا لْمِيزَانِ (8)وَأَقِيمُوا ا لْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِـرُوا ا لْمِيزَانَ (9) .
    تفسير المفردات الآيات (1 ـ 9)
    علّمه البيان :علّمه النطق.
    الشمس والقمر بحسبان :إن الشمس والقمر يجريان وفق نظام، وحساب دقيق متقن.
    والنجم والشجر يسجدان :يقصد بالنجـم : النباتات الصغيرة ، التي ليس لها ساق تنتصب عليه، وقيل أن المقصود بالنجم هو نجوم السماء. والمعنى: أن الأشجار والنجوم تسجد لبارئها سجود حقيقة، ولكن لا نفهم حقيقة هذا السجود. وقيل إن معناه الخضوع لنظام العبودية لله تعالى ، لخضـوع وجودها لنـظام تكويني وضعه لها بارئها سبحانه .
    المعنى العام الآيات (1 ـ 9)
    بهذه الكلمة (الرحمن) التي تملأ النفس أملا وحبّاً ورجاء، افتتح القرآن هذه السورة. والرحمن هو وصف مختص بالله تعالى، فلا يوصف غيره بهذا الوصف. بخلاف وصف الرحمة، فيصح اطلاقه على غير الله تعالى. والرحمن: هو كثير الرحمة. فهو وحده وسع كلّ شيء رحمة، وشملت رحمته كلّ شيء. قال تعالى: (ربّنا وسعت كلّ شيء رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا ).
    والآيات التي وردت بعد آية (الرحمن) هي تعريف للكافرين بالرحمن. إذاً هي جواب، كما يقول العلماء المختصون بنزول الآيات، لسؤال الكافرين: (قالوا وما الرّحمن )،
    عندما اُمِروا بالسجود له سبحانه: جاء ذلك بقوله تعالى: (واذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا وما الرّحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً ). فعرّفهم بأن الرحمن، هو الله الذي علّم القرآن لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ; ليعلِّمه للبشرية جمعاء، وهو الذي خلق الإنسان، وعلّمه البيان . علّمه النطق والتلفظ للتعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان وإرادة ومشاعر بكلمات .
    إنّه يعرِّف الرّحمن بخالق الإنسان الذي أحاطه برحمته في رحم أمه ، ونشّأه حتى اكتمل إنساناً سوياً، ووهبه القدرة على النطق والتعبير، وعلّمه القرآن الذي فيه خيره وسعادته، وكلّ ذلك العطاء هو فيض الرحمة، وهو عطاء الرحمن.
    إنّ من أعظم آيات الله في خلق الإنسان ـ وكلّ آياته عظيمة ـ هو قدرته على النطق، وهو تحويل الفكرة والإحساس والشعور والإرادة الى كلمة، أي استبدال المعنى بلفظ يدل عليه، ولولا النطق لما نشأ التعارف، ولما نشأ المجتمع البشري، ولما نشأت العلوم والمعارف، ولما حقق الإنسان أي وجود مدني أو حضاري، ولما كان هناك فرق بين الإنسان والحيوان. فالناطقية هي الفرق بين الإنسانية والحيوانية; لذا عرَّف العلماء الإنسان بأ نّه: حيوان ناطق.
    وبعد التعريف بما أنعم الله سبحانه على الإنسان من الخلق والبيان، وتعليم القرآن، تحدّث عن نعمة الشمس والقمر لارتباطهما بحياة الإنسان، فالشمس مصدر النور والدفء في هذه الأرض ، ولولاهما لعاشت في ظلام دامس، ولولا الشمس لتجمد كلّ شيء في هذه الأرض ، ولاستحالت الحياة على سطحها . وللقمر علاقته بنظام الأرض ، والنور وحركة المجموعة الشمسية، لذا يوضح القرآن أن حركتهما وقربهما وبعدهما من الأرض ، إنّما يجريان وفق حساب علمي دقيق . فلو ابتعدت الشمس عن الأرض لتجمد كلّ شيء عليها ، ولو اقتربت منها لتبخّرت البحار ، واستحال عيش الأحياء عليها .
    ولو اقترب القمر أكثر ممّا هو الآن; لاندفعت مياه البحار (المَدُّ) متأثرة بجاذبية القمر، بقوة هائلة تزيح الجبال، وتغرق الأرض. انّ حركتهما، والمسافة بينهما وبين الأرض، إنّما وضعت وفق حساب علمي دقيق، وبعلم الخالق العظيم.
    وهكذا تتكامل صورة العلاقة بين خلق الإنسان، وخلق الشمس والقمر، ووجود الحياة على سطح الأرض. فلكي يحيا الانسان إنساناً يجب أن يكون للشمس والقمر وجود محسوب، كما هو الآن، كما يجب أن يكون الإنسان مخلوقاً قادراً على النطق يستطيع البيان (التعبير عمّا في نفسه من أفكار ومعان). ولن تكتمل إنسانيته إلاّ بالقرآن الذي يوضِّح له طريق السعادة والهدى في الحياة; ليوصله الى دار السعادة والسلام في عالم الآخرة.
    وهكذا يكشف القرآن أن ما يتمتع به الإنسان من حياة إنسانية، إن هو إلاّ وليد الدفء والنور، والقدرة على البيان; ولن يصنع الدفء والنور والأرض والعقل والبيان، حياة سعيدة، إلاّ في ظل الوحي والتعليم الإلهي، إلاّ في ظل القرآن. وقد وهب الرحمن كلّ هذه النعم .
    * * *
    (والنّجم والشّجر يسجدان ): وينتقل القرآن في حديثه عمّا أنعم الله سبحانه على الإنسان، وعظمة المنعم، إلى عظمة الطاعة له، وسجود الخلائق لعظمته. فما من شيء في هذا الوجود إلاّ ويسبّح بحمده، وما من شيء من الخلائق إلاّ ويسجد لعظمته. وفي هذه الآية يلفت القرآن نظر الإنسان الجاهل لهذه الحقيقة، يلفت نظره الى سجود النجم (النبات الذي لا ساق له) والشجر، سجود النبات الذي يعيش مصاحباً للانسان على هذه الأرض يتمتع بنعمة النور والدفء والأرض، انه يعرف خالقه، ويسجد له، بإحساس يناسب درجة وجوده في هذا العالم ، وربّما فُسِّر السجود بالخضوع التكويني لإرادة الخالق العظيم، فالنبات ـ بمختلف أنواعه ـ ينمو ويعيش على هذه الأرض، وفق قوانين الحياة المرسومة له، من حيث النشأة والنمو والتكاثر والإضمحلال; وبذا يكون خاضعاً لارادة الله ، أي ساجداً له.
    لعلّنا نستغرب أن يكون للنبات حسٌّ، وتطوّرٌ وإدراك للأشياء. لقد اكتشفت الدراسات والأبحاث العلمية تأثّر النبات بما يحيط به من حشرات ومحفّزات، من الصوت والضوء والحركة...; وذلك دليل وجود الشعور والإحساس النباتي المناسب لدرجة وجوده في هذا العالم ، وهو ما ينبّه عليه القرآن في هذا البيان; انه يسجد حقيقة لعظمة خالقه; لأ نّه يشعر بتلك العظمة، ويحس بما يغمر وجوده من الفيض الرباني. إنّها عظمة الخالق المستحق لسجود الخلائق كلّها . انّه السجود الذي تكتمل به إنسانية الانسان .
    * * *
    (والسّماء رفعها ووضع الميزان * ألاّ تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ).
    ويتواصل تعريف القرآن بالرحمن، فهو الذي خلق الإنسان، وعلمه القرآن والبيان. وخلق الشمس والقمر، ونظّم حركة سيرهما ، وهو الذي تسجد له الأشجار، وكلّ نبات في الأرض، وهو الذي رفع السماء، ووضع الميزان. وبهذه التعاريف يتجلّى للإنسان عظمة الخالق في خلقه، إنّه رفع السماء، ورفعها نسبي، منسوب الى الإنسان على الأرض، انّ هذا الفضاء الذي لن تكون فيه الأرض إلاّ هباءة ضئيلة القيمة، فيه ملايين المجرّات ، وآلاف الملايين من النجوم والكواكب ، التي تبعد عن الأرض مئات الملايين من السنين الضوئية . انّ هذه السماوات ، بنظامها واتساعها وجمالها ، وعلاقة بعضها بالأرض ، وبحياة الإنسان ، لتُعرِّف بعظمة الرّحمن ، الخالق العظيم ، الذي ينكر وجوده الملحدون.
    والميزان أداة الحساب والتقدير للأشياء المادية والأدبية، قد وضعه خالق الوجود للإنسان.
    فالميزان المادّي وضع وفق القانون الذي رفعت به السماء، فارتفاع السماء وارتباط الكواكب والنجوم في اطار المنظومات الكونية; إنّما يجري وفق قانون الجاذبية فيما بينها، وميزان السلع والأشياء يعمل وفق هذا القانون ذاته، فالأرض تجذب الأجسام إليها. وبقدر ما تجذبها الأرض تعطي وزناً.. فالميزان يعمل بقانون الجاذبية الذي تسير وفقه أنظمة السماء المرتفعة; ولعل هذه الحقيقة، هي التي دعت القرآن لأن يُقرن رفع السماء بوضع الميزان.
    واذا كان الميزان آلة الضبط والحساب، واستيفاء الحقوق المادية والأدبية كان من الواجب الوفاء به وضبط عمله وفق العدل والإنصاف، وعدم التجاوز على الحق والعدل: (ألاّ تطغوا في الميزان )، ليقام الوزن بالقسط (بالعدل)، ويؤتى كلّ ذي حق حقه المادي والإنساني ، وليمتنع الإنسان عن أن يُخسر الميزان ، عن أن يُنقص الوزن ، عن أن يظلم أو يجور، أو يغمط أحداً حقه ، فيبخس الناس أشياءهم .
    * * *
    وَا لاَْرْضَ وَضَعَهَا لِلاَْنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ ا لاَْكْمَامِ (11)وَا لْحَبُّ ذُو ا لْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) .
    تفسير المفردات الآيات (10 ـ 13)
    الأنام :الناس. وقيل أن معنى الأنام هو كلّ ذي روح.
    ذات الأكمام :الكُم: الوعاء والغلاف، وجمعها أكمام، والكُم ; هو ما يغطِّي الثمار من أوعية، ويقصد به هنا غلاف الطّلع .
    والحَبّ ذو العصف:ذو الورق الذي ينتهي إلى اليَبس والجفاف ، فيتحطّم ويتفتّت .
    والريحان:الرزق، وقيل الحب المأكول، كالحنطة والرز والشعير، وقيل نبات الريحان الطيّب الرائحة .


  5. #5

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    المعنى العام الآيات (10 ـ 13)
    (والأرضَ وَضَعَها للأنامِ ).
    ويسترسل القرآن في التعريف بمن هو الرحمن، فهو الله خالق الأرض، كما هو خالق الإنسان والسماء. إنّه وضع الأرض للانسان وسائر الأحياء. انّه خلقها ومهّدها للحياة، بما وفّر فيها من ظروف العيش المناسبة لطبيعة الاحياء، من الماء والهواء بنسبه المُنظّمة، والضغط والجاذبية والنور والحرارة والغذاء وسرعة حركتها ودوراتها حول الشمس .. إنّ وجود الأصناف المتعددة للنباتات بألوانها وطعومها وروائحها المختلفة; لتجلِّي عظمة الخالق. إنّها تنبت بأرض واحدة، وتسقى بماء واحد، وتعطي ثماراً مختلفة. إنّ النباتات تلك المصانع المذهلة، التي تصنع السكر والدهن والبروتين والفيتامينات، والزيوت والعطور والطعوم، والأصباغ والألوان والسوائل المختلفة، من تراب الأرض وعناصر الطبيعة.. انه لعمل مذهل، هذا الذي تقوم به تلك المصانع الحيّة (النباتات); لتحكي عن عظمة الصانع العظيم، انه عمل لا يحسّه، ولا يفكّر به، إلاّ العلماء والعارفون بتلك الحقائق. وسبحان القائل: (إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ )، لذا يعدد القرآن أنواع النبات، من الفواكه والنخيل والحبوب والرياحين وغيرها.. ليثير في نفس الإنسان تلك الحقائق والمعلومات، ويوجه نظره وإحساسه إليها.
    إنّ كلّ تلك النعم قد خلقها بارئها للإنسان : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ).
    انّه يعاتب الإنسان، كيف ينكر، ويكذِّب بنعم الله سبحانه.. أليس من الحق أن يعترف بهذا الفضل ، ويشكر المنعم ، يسجد لخالق الوجود ... انّه لسؤال حريٌّ بالإجابة ; لذلك حرص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يعلّم أمّته ، كيف تجيب على سؤال الوحي : (فبأيِّ آلاء ربِّكما تُكذِّبان ) . فقد دعاهم إلى أن يجيبوا كلّما قرأوا هذه الآية فيقولوا : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذِّب» .
    * * *
    خَلَقَ ا لاِْنسَانَ مِن صَلْصَال كَا لْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ ا لْجَانَّ مِن مَارِج مِن نَار (15)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ ا لْمَشْـرِقَيْنِ وَرَبُّ ا لْمَغْرِبَيْنِ (17)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (18) مَرَجَ ا لْبَـحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ (20)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَا لْمَرْجَانُ (22)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ ا لْجَوَارِ ا لْمُنشَآتُ فِي ا لْبَحْرِ كَالاَْعْلاَمِ (24)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ا لْجَـلاَلِ وَا لاَْكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَـذِّبَانِ (28)يَسْـأَ لُهُ مَن فِي السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضِ كُلَّ يَوْم هُوَ فِي شَأْن (29) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) .
    تفسير المفردات الآيات (14 ـ 30)
    من صلصال كالفخّار:الصّلصال: الطين الجاف، وقيل الطين النتن. والفخار: الطين
    الذي طبخ بالنار فصار خزفاً.
    من مارج من نار :المرج : الخلط ، ومارج: مختلط . والمعنى : خلق الجان من لهيب مختلط ، وقيل أن المعنى خلق الجان من نار لا دخان لها . أي : خلقه من نار غير النار المألوفة لدينا، وهي النار ذات الدخان .
    مرج البحرين يلتقيان :مرج: أرسل وخلّى(8): والمعنى أرسل البحر المالح، والبحر العذب، متجاورين متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين(9).
    بينهما برزخ لا يبغيان:البرزخ: الحاجز، لا يبغيان: لا يطغى أحدهما على الآخر.
    وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام :الجـوار : هي السـفن الجارية في الماء . والمنشآت : المصنوعات المرفوعات . والأعلام : يقصد بها في هذه الآية2: الجبال .
    كل يوم هو في شأن : يعني أن الله ـ جل ثناؤه ـ هو المغـيّر للأمور والأوضاع والتّحولات ، ومُحدِث المستجدّات في عالم المخلوقات .
    المعنى العام الآيات (14 ـ 30)
    (خلق الإنسان من صلصال كالفخّار... ).
    ويتواصل تعريف الرحمن بخلقه، وعظمة قدرته، فينتقل من الحديث عن خلق الشمس والقمر والأرض والنبات، الى الحديث عن خلق الإنسان، الذي تأخّر وجوده بشكل طبيعي عن هذه المخلوقات. انه خُلق من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، لقد خلق الإنسان من تراب الارض المختلط بالماء الذي وصف خلقه في آية اُخرى بقوله: (.. الذي أحسن كلّ شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين )، وخلق الجان من مختلط النار.
    فكان لكل من العالمين، عالم الجن، وعالم الإنسان، خصائصه وصفاته، فهو يخلق من النار ما يشاء، كما يخلق من التراب ما يشاء من سكر وعطور وزيت وألوان، من خلال ما أنبت من نبات، وتلك حقائق ملموسة ، بل ما يتناوله الإنسان والحيوان من نبات الارض، وثمارها المستخرجة من التراب ، يتحول الى مادة حيوانية، من اللحم والعظم والشعر والحليب والعصارات الهضمية، وكلّ ذلك مصدره التراب، فليس أمام العقل البشري إلاّ أن يسجد لخالق الوجو د، ولا يكذّب بآلاء ربِّه ، وأن يكرِّر قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا بشيء من آلائك يا رب أكذّب» .
    (ربّ المشرقين وربّ المغربين )، وفي حركة الشمس والأرض، وتكوّن الليل والنهار، وما يطرأ عليهما من الطول والقصر، أي شروق الشمس وغروبها، واختلاف مواضع الشروق والغروب وتعددها، في الصيف والشتاء، آية من آيات القدرة والعظمة. والقرآن هنا يعرِّف بالرحمن من خلال التعريف بقدرته. إنّ لاختلاف الفصول وتغيّرها، وكمية الحرارة، علاقة بعالم الأرض من حيث الحالة النفسية للإنسان، ونوع الإنتاج الزراعي، ونظام الحياة، ما ينزل من مطر وثلوج، وما تهب من رياح وغبار... الخ، ان كلّ ذلك من آلاء الله، ونعمه على الإنسان، فبأي هذه الآلاء والنعم يكذب الإنس والجان.
    * * *
    (مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان ).
    ومن آياته سبحانه اختلاف نوع المياه، العذب والمالح; فوجودهما يثير سؤالا علمياً وعقلياً مدهشاً: لماذا لم تكن المياه كلها عذبة، ولماذا لم تكن المياه كلها مالحة؟ فلا يطغى أحدهما على الآخر، فتختلط المياه العذبة بالمالحة، ان المدبر العظيم هو الذي جعل بينهما حاجزاً، فلا يهاجم أحدهما الآخر. ان كلّ ذلك يجري لحكمة، ومصلحة في الخلق. والتفاعل والإمداد متواصل بين الماء العذب، والماء المالح الذي يغمر ثلاثة أرباع الأرض. فالبحار المالحة تمد الأرض بالمياه العذبة، عن طريق التبخر والمطر، والمياه العذبة تصب في البحار. والماء العذب مخزون في أعماق الأرض، على شكل مياه جوفية، ينفجر عيوناً وينابيع، فيسلك طريقه أنهاراً ومجاري الى البحار على الأرض. انها آلاء الرحمن ونعمه، فبأي هذه النعم والآلاء يكفر الإنس والجان. وفي أعماق البحار العذبة والمالحة، ينشأ اللؤلؤ والمرجان، للزينة ومنافع الناس، وبشكل مدهش، يبعث على التصاغر أمام عظمة الله وقدرته.
    (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام )، وطبيعة تركيب المياه السائلة وقانون طفو الأجسام الصلبة فوق المواد السائلة، الذي يعبّر عنه لفظياً بقول علماء الفيزياء «تفقد الأجسام الصلبة من وزنها بقدر ما تزيح من السائل»، هو الذي يسمح بطفو السفن، وتنقلها في المياه، ولولا هذه العلاقة القانونية بين السائل والجسم الصلب، كالخشب والحديد، لما طفت السفن التي تمخر عباب البحر، ظاهرة طافية، كما يظهر الجبل على سطح الأرض، جارية في المياه، وهي من أعظم وسائط النقل، والتواصل البشري، ولولاها لما أمكن التواصل بين المجموعات البشرية فيما وراء البحار بهذا الشكل الواسع.
    ان الذي خلق قوانين الطبيعة، وعلّم الإنسان الإستفادة منها، هو الرحمن. خلق كلّ ذلك برحمته، فبأي تلك الآلاء والنعم يكذّب الإنسان.
    وهكذا يتواصل الحديث القرآني عن الأرض والنبات والإنسان، والسماء والشمس والقمر، والليل والنهار ، والسفن والبحار ، واللؤلؤ والمرجان، فيصوّر الأرض، وما عليها من حركة وحياة وجمال، فيعرضها لوحة فنية زاخرة بألوان الحركة والإثارة، ثم ينتهي المشهد فجأة، ويختفي كلّ شيء من عالم الوجود، كأنه لم يولد، ولم يكن . فيأتي القضاء الإلهي الحاسم :
    وهو الحكم بالفناء على هذا العالم، ولكن لا لينتهي الإنسان الى العدم، بل ليبدأ رحلة جديدة، ويدخل عالماً آخر، هو عالم الآخرة.
    وهكذا يُصوّر القرآن هذا المسار وتلك النهاية بقوله: (كلّ مَن عليها فان * ويبقى وجه ربِّك ذو الجلال والإكرام ). فللّه وحده البقاء والجلال والإكرام، فهو الأوّل والآخر، والمنزّه عن وقوع الحوادث عليه والفناء. فالفناء قانون ونظام قضى به الحي الباقي على الخلائق كلّها .
    انّه الباقي بجلاله وإكرامه. انه الرب الذي تحتاجه الخلائق كلّها: (يسأله من في السماوات والأرض ). يسأله كلّ موجود من خَلقه، أي هي بفقرها الدائم تحتاج الى غناه، انها تفتقر للإيجاد والبقاء والإدامة، وافاضة كلّ ذلك عليها، ولا مصدر لهذا الفيض والعطاء الذي تفتقر اليه إلاّ الله سبحانه ...
    (كلّ يوم هو في شأن ).. إنّه الخلاّق الذي يغيّر ويبدّل، ويوجِد الحوادث والوقائع، ويُفني، ويحرّك عوالم الوجود بمختلف المجالات والظواهر والنتائج. فلا استقرار في هذا الوجود، ولا سكون ولا جمود، انه القادر والمختار والمتصرف في الكون بعلم وحكمة. انه يسوق للانسان في هذه الآية، التعريف بحقيقة كونية ترتبط بوجوده، وهي الحركة والتغيير الدائم، ليدعوه الى العمل المتواصل، وطلب التغيير نحو الأفضل من خالق الوجود، الذي يُغيّر ويبدل، ويمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أُمّ الكتاب. وكلّ ذلك يجري وفق الحكمة والمصلحة .

  6. #6

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    سَنَفْرُغُ لَكُمْ أ يُّهَ الثَّقَلاَنِ (31) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ ا لْجِنِّ وَا لاِْنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِن أَقْطَارِ السَّماوَاتِ وَا لاَْرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان (33) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِن نَار وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انشَقَّتِ السَّماءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) .
    تفسير المفردات الآيات (31 ـ 38)
    الثّقلان : الجنّ والإنس .
    شواظ من نار ونحاس : الشـواظ : اللّهب الذي لا دخان فيه ، أو هو اللّهب الأخضر المنفصل من النار. والنحاس: هو اللّهيب بلا دخان، وقيل هو الصفر المذاب ، أو هو ما يتطاير من شرر الصفر والحديد اذا طرق .
    فكانت وردة كالدّهان:تصير السماء حمراء، تذوب كما يذوب الزيت، والدهان: الجلد الأحمر.
    المعنى العام الآيات (31 ـ 38)
    (سنفرغ لكم أيّها الثّقلان... ).
    وبعد أن عرّف القرآن بالرحمن، وبعظمته وآلائه على الإنسان، توجّه بالتهديد والوعيد للمجرمين من الإنس والجنّ، فقال: ( سنفرغ لكم أيّه الثقلان ) فعبارة التفرّغ هنا تعني: القصد والجدّ في التعامل مع الأمر، والمعنى سنحاسبكم، حساب المتفرّغ للأمر، ذلك لأن الله سبحانه منزّه عن الشغل والإنشغال.
    انه الخالق المهيمن الذي لايستطيع أحد الإفلات منه، فالخلائق جميعاً قبضته، فأين تفرّون، ان أمامكم أن تخرجوا من ملك الله ، لتنجوا من الموت والحساب، ولكن ليس هناك من مُلك، ولا إمكان للفرار، إلاّ بقدرة وقوّة من الله سبحانه. فبأي آلاء ربِّكما تكذِّبان .
    ولو قدّر لكما يا معشر الإنس والجن أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض،فلن تستطيعوا النجاة،ولا دفع ما أراد الله عنكم،بل سيرسل عليكم ناراً ونحاساً، يحول بينكم وبين ما تريدون .
    وهكذا يغلق القرآن أبواب الأمل أمام المجرمين المصرّين، وتتكاثف صور اليأس من الخلاص، فلا مهرب ولا منجى، ولا ملجأ من الله ، إلاّ اليه سبحانه. فبأي آلاء ربّكما تكذّبان .
    ويواصل القرآن الحديث عن مشاهد يوم القيامة، وأحداثها المروِّعة، فيصف ما يحدث للسماء المتماسكة الصافية الزرقة، من تحوّل وتغيّر. انها تنشق، وتستحيل حمراء، كأنّها الزيت الصافي الذي يتموّج بألوان الحمرة . . . عندها يشهد الإنسان الحقيقة التي كان ينكرها فيتذكر ، ولكن أنّى له الذكرى ، انّ هذا ما كان يكذِّب به الإنسان ، فبأي آلاء ربه يكذب بعد هذه الحقائق والآيات.
    * * *
    فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ (39)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)يُعْرَفُ ا لْمُـجْرِمُونَ بِسِيَماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَا لاَْقْدَامِ (41)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هذِهِ جَهَنَّمُ ا لَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ا لْمُـجْرِمُونَ (43)يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم آن (44) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) .
    تفسير المفردات الآيات (39 ـ 45)
    يُعرف المجرمون بسيماهم :يعرف المجرمون بعلاماتهم الظاهرة في وجوههم.
    فيؤخذ بالنواصي والأقدام:النواصي : جمع ناصية ، وهي الشعر الموجود في مقدّم الرأس . والمعـنى : أنّ المجرمين يُسـاقون بذُلّ ومهانة ، ويُسـحبون من نواصيهم وأقدامهم . إذ تجمع النواصي والأقدام في سلسلة ، فيسحبون في النار .
    حميم آن:الحميم: الشديد الحرارة، والآن: منتهى ما يبلغ من حرارة.
    المعنى العام الآيات (39 ـ 45)
    (فيومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان).


  7. #7

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    وبعد أن عرض القرآن الصورة المروّعة للسماء يوم القيامة، عاد ليواصل حديثه الذي قال فيه: (سنفرغ لكم أيها الثقلان). سنفرغ لحسابكم، ويومها يُعرف المجرمون بسيماهم، فلا يسأل أحد من الإنس أو الجن عن جرم مجرم لإثباته، ولا يسأل هو للإثبات ، بل يسأل ليعترف للخزي والإهانة والتقريع.
    فقد أُحصي عليهم كلّ شيء ، ويواجهون بالحقيقة المذهلة ، فكل شيء مسجّل ومستنسخ وناطق ، كما أخبر سبحانه بقوله: (إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) (هكذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ).
    والمجرمون يُعرفون بسيماهم، وجوههم مسودة، قد وُسمت بعلامات الخزي والمهانة، وأهل الجنة يعرفون بسيماهم; وجوههم نيِّرة مشرقة.
    إنّه مشهد الخزي والمهانة الذي تتجسّد فيه تلك العلامات في الوجوه والملامح; ثم يبدأ العقاب، فتتسلمهم الزبانية، لتسوقهم إلى جهنّم، ولكن بأي صورة مذلّة مفزعة يؤخذ فيها المجرمون، يجمع بين نواصيهم: (مقدمة رؤوسهم) وبين أقدامهم، أي تربط النواصي بالأقدام بالأغلال، فيسحبون الى النار.
    ويقرِّع القرآن المجرمين بقوله : (هذه جهنّم التي يكذِّب بها المجرمون ). لقد كنتم تكذّبون وتسخرون; إصلوها، وتحمّلوا ما فيها من عذاب ومهانة.. الآن وقد دخلوا جهنم، وأطبقت عليهم بعذابها، والقرآن يصف لنا جانباً من عذاب الجحيم فيقول: (يطوفون بينها وبين حميم آن ) : انهم يطوفون بين حريق النار، وبين الحميم الآن، انه العذاب الدائم، فمرّة النار، ومرّة الحميم ; الماء الشديد الحرارة الذي بلغ منتهى ما يبلغ من حرارة ، ذلك مستقرّهم وما ينتظرهم من جزاء .
    وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَان (48) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَة زَوْجَانِ (52)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق وَجَنَى ا لْجَنَّتَيْنِ دَان (54)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55)فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ ا لْيَاقُوتُ وَا لْمَرْجَانُ (58)فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59)هَلْ جَزَاءُ ا لاِْحْسَانِ إِلاَّ ا لاِْحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) .
    تفسير المفردات الآيات (46 ـ 61)
    ذواتا أفنان : الأفـنان : الأغصان الطريّة الوَرِقة ، والأفنان أيضاً : الأشكال المختلفة . والمعنى : أن أشجار تلك الجنتين هي ذوات أغصان دائمة الخضرة والطراوة . وقيل أن تلك الجنتين فيهما ألوان النعيم والملذّات.
    وجنى الجنتين دان:جنى الجنتين:ثمار الجنتين،ودان:قريب،يتناوله أهل الجنة بيسر وسهولة .
    قاصرات الطرف :قَصَرن طَرفَهن على أزواجهنّ ; لشدّة إعجابهنّ بهم .
    لم يطمثهنّ :لم يطأهنّ أحد قبلهم ، أي : أبكاراً .
    المعنى العام الآيات (46 ـ 61)
    (ولمن خاف مقام ربِّه جنّتان... ).
    وبعد أن تحدّث القرآن عمّا يلاقي المجرمون من جهنم والعذاب المهين، انتقل الى الحديث عن الجنة والنعيم، وأهلها وما يجدون فيها من حبّ وسلام وجمال ومتعة وكرامة. فيشرع في وصف الجنة، وما فيها من أشجار وحور وثمار، وعيش هانئ ونعيم .
    (ولمن خاف مقام ربِّه جنّتان) : في هذه الآية يذكّر القرآن بالمقام الرَّباني، والحضور الدائم لخالق الوجود ، الذي لا يخلو من وجوده وجود، ذلك المقام الذي لا يدركه، ولا يستشعر عظمته إلاّ المؤمنون الصادقون، الذين يرون الله معهم أين ما كانوا، فيخشون مقامه ، ويمتنعون عن معصيته في السر والعلن. انهم يخشون مقامه في الدنيا، كما يخشون مقامه والوقوف بين يديه يوم الحساب.
    إنّ جزاء أولئك المؤمنين جنّتان في عالم الخلد. والوصف التالي لهاتين الجنتين، يوضح أنهما ذواتا أغصان وأشجار، وفاكهة مختلف ألوانها (فيهما من كل فاكهة زوجان )، فمن كلّ فصيلة منها نوعان (زوجان) يتميز بذوق وطعم آخر.
    *

  8. #8

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    يفسر معنى (الزوجين) هنا قوله تعالى: (أزواجاً من نبات شتّى ) أي أنواعاً شتّى(10).
    وذلك إمعاناً في المتعة واللّذة والسرور.
    وفيهما عينان تجريان بالماء السهل الانسياب والجريان. ان هذا التعدد والتنوع في الجنان والمياه الجارية، وفي الأشجار والفواكه، يزيد الحياة المحيطة بالمؤمنين جمالا وتألّقاً وبهجة. ويضفي القرآن على ذلك الجمال جمالا بقوله: (وجنى الجنّتين دان ): وهذا الوصف مساوق لقوله تعالى: (قطوفها دانية ). إنّ ثمار تلك الجنتين دان، متدلٍّ، قريب من طالبه، يتناوله من غير جهد ولا عناء.
    وينتقل القرآن من وصف الجنان الى وصف الحور والجمال المتألّق فيهن والوجوه المشرقة البيضاء، كأ نّهن اللؤلؤ والمرجان، قاصرات الطرف على الأزواج، قد شدّهن الحبّ والشوق الى أزواجهن، لا تنظر احداهن الى غيره، ولا ترى شيئاً أجمل منه في عالم الجنان المحيطة بها، انهن أبكار لم يطمثهنّ ـ لم يواقعهنّ ـ زوج قبلهم من الإنس أو الجان ، جاء هذا الوصف والبيان في قوله تعالى: (إنّا أنشأناهنّ انشاءً فجعلناهنّ أبكاراً ).
    تلك الجنان وما حوت من جمال ومتعة ونعيم، هي مفاز للمتقين الذين يخشون مقام الرب وحضوره. فبأي آلاء ربكما تكذبان ..
    وبهذه الآية الكريمـة : (هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ) يختم القرآن الحديث عن الجنتين، وما فيهما من عطاء ونعيم.
    انّها الآية التي تثبت القانون الأخلاقي في العلاقة والتعامل بين الخالق والمخلوق، كما هي قاعدة أخلاقية يجب العمل بها بين المخلوقين. ان جزاء من أحسن في الدنيا أن يحسن اليه في الآخرة . وجزاء من يفعل الخير والإحسان الى الآخرين، أن يرد عليه الآخرون بالمثل ، لتستقيم المعادلة والموازنة الأخلاقية. فالإحسان لا يعادله في الميزان إلاّ الإحسان ، ولا يقابل الإحسان بالإساءة إلاّ اللئيم الظلوم، المتنكر لقيم الحق والعدل: (فبأي آلاء ربِّكما تُكذِّبان ).
    * *

  9. #9


    الصورة الرمزية 4MAX
    الإشراف العام

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    فى القلب
    العمر
    29
    المشاركات
    19,932
    Thanks
    983
    Thanked 241 Times in 199 Posts
    الصور
    6
    معدل تقييم المستوى
    462

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    اعزكم الله
    ان لله عبادا اختصهم لقضاء حوائج الناس
    حببهم للخير وحبب الخير لهم
    اولئك هم الامنون من عذاب الله يوم القيامه
    =====

    بروا آبائكم يبروكم أبنائكم




    ĎΞs!GŖ

    مركز طريق الجرافيك التعليمي

  10. #10

    الصورة الرمزية waleed_ali
    مشرف القسم العام والإسلامي

    الحالة
    غير متصل
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الدولة
    A, A
    المشاركات
    20,140
    Thanks
    587
    Thanked 288 Times in 256 Posts
    الصور
    21
    معدل تقييم المستوى
    433

    رد: تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 3

    اعز الله جميع المسلمين اخى محمد


 

 

المواضيع المتشابهه

  1. القرأن الكريم
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08 / 10 / 2012, 26 : 08 PM
  2. تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون 5
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 50 : 08 PM
  3. تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 4
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 49 : 08 PM
  4. تفسير القرأن الكريم الجزء السابع والعشرون 2
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 45 : 08 PM
  5. تفسير القرآن الكريم - الجزء السابع والعشرون
    بواسطة waleed_ali في المنتدى القسم الإسلامي والديني
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 25 / 09 / 2012, 43 : 08 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
الساعة الآن 43 : 05 AM
Powered by vBulletin® Version 4.2.3
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Search Engine Optimization by vBSEO