كل الأعمال يجب أن تسبقها المحبة لكى ينال العمل القبول من عند من يقول للشيء كن فيكون بل إن أعلى درجات القرب عند الله وهى ولاية الله والذين يقول فيهم الله {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} كيف وصل هؤلاء إلى منزلة الكرامة والولاية؟ كيف حفتهم هذه العناية؟ نسأل الخبير الذي أرسله لنا العلى الكبير وقد بين صلى الله عليه وسلم أوصافهم فى الدنيا وأحوالهم ومنزلتهم ودرجتهم فى الدار الآخرة فى الحديث{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَاداً لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ فَجَثَى رَجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ مِنْ قاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إلَى النَّبيِّ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلاشُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ، وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ، أَنْعِتْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا: يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا، فَسُرَّ وَجْهُ النَّبيِّ بِسُؤَالِ الأعْرَابِيِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبائِلِ – أى من بلاد شتى ومتفرقة - لَمْ تُصَلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيَجْلِسُون عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُوراً وَثِيَابَهُمْ نُوراً يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم تلى قول الله {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[1] بالله عليكم عندما يقول حضرة النبي من يريد أن يكون ولياً من أولياء الله عليه أن يصاحب جماعة من بلدان شتى فى الله ويزورهم لله ووضح أن ذلك هو سر ولاية الله هل نقلع عن هذا العمل ونهتم فقط بالصلاة والصيام والزكاة وذلك لأن ديننا كله أساسه وصلبه يرتكز على الحب فى الله - ويبين الله من يحبهم فماذا نفعل كي يحبنا الله؟يقول حضرة النبي خذوا هذه الرسالة من الله والتى يقول فيها { وَجَبَتْ مَحَبَّتِي - لمن يا رب؟ - لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ. والمُتَجَالِسينَ فِيَّ. والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ. والمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ}[2] أي وجب حبُّ الله للذين يحبون بعضهم فى الله ويتزاورون فى الله ويجالسون بعضهم فى الله ويبذلون لبعضهم إن كان طعاماً أو غيره على حسب الوسع والإستطاعة فى الله ولله وكلمة فى الله أى لا ينتظر رداً فإذا كانت المحبة دنيوية مثلاً يقول الأخ لأخيه: لقد أتيتك يا فلان لكنى لن أزورك ثانية حتى تزورني وهذه المحبة ليست لله ولا فى الله وذلك لأن الذي يزور فى الله ينتظر الأجر من الله ولا يريد رد الزيارة وإلا كان العمل لغير الله وإذا زرت أخى فى الله فإن حضرة النبي يقول{إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا زَارَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ كَمَا وَصَلَهُ فِيكَ فَصِلْهُ }[3] ينشدون هذا النشيد ويسمعهم اهل الملكوت الأعلى وإذا ذهبت إلى أخيك وأنت مشتاق لكى تزوره وتراه وتطمئن عليه فيخرج لك الله شيك بأجر ما مقدار هذا الأجر؟ نقول كما ورد عن الحبيب المصيب {نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى أَخِيهِ عَلَى شَوْقٍ – وفى رواية حُبَّاً لَهُ وَشَوْقَاً إليْه - خَيْرٌ مِنَ اعْتِكَافِ سَنَةٍ فِي مَسْجِدِي هذَا}[4]هذا أجر النظر فى وجه أخٍ واحد أما إذا رأيت ثلاثين أخاً فإن كل نظرة لواحد منهم بشيك منفصل ومع أن الناس تتحمل مشقة السفر فى رمضان للإعتكاف فى مسجد سيدنا رسول الله عشرة أيام إلا أن مجرد النظرة فى وجه أخ فى الله أفضل من سنة اعتكاف فى مسجد رسول الله أما المصافحة فلها أجرها فعندما أصافح أخاً لى فى الله قال {إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ اخَذَ بِيَدِهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُمَا ذُنُوبَهُمَا كَمَا يَتَحَاتُّ الوَرَقُ عَنِ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ فِيْ يَوْمِ رِيْحٍ عَاصِفٍ وَإِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا وَلَوْ كَانَتْ ذُنُوْبَهُمَا مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ }[5]فأين الطاعات والعبادات التى توصل إلى هذه المنازل والدرجات هذا بخلاف الأمر الهام الذي بدأنا به هذا الحديث فإن كنت أطمع فى منزلة عالية فى الجنة ونفسي تضحك عليَّ ولا أستطيع أن أعمل الأعمال التى توصلنى لتلك المنزلة فماذا أفعل؟ قال: عليك أن تبحث عن واحد من أهل هذه المنزلة وتحبه وتصاحبه فى الله لماذا؟ قال النبى فى حديثه {من أحبَّ قوما على أعمالهم حُشر يوم القيامة في زمرتهم فحُوسبَ بحسابهم وإن لم يعملْ أعمالهم}[6] وقد سأله أحدهم [يَارَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ – لم يعمل بعملهم؟فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أًحَبَّ }[7] وهذا ما جعل آباءنا الذين كانوا عقلاء وأذكياء وكذلك سلفنا الصالح يسارعون إلى الصالحين فقد كانوا يقولون لا نستطيع أن نعمل مثلهم لكن عندما نحبهم يرفعنا الله لدرجتهم وحشرنا معهم وذلك لأن الله يوم القيامة سيأتى بالكافرين واحداً تلو الواحد [وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ] أما نحن فكل جماعة كانوا يحبون بعضهم البعض يدخلون مجتمعين {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً}أى جماعة مع بعضهم أما عند الجنة{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً} أي جماعات ولذلك تروى لنا الأخبار التى تصدقها الدلائل والآثار مشهداً سيحدث فى الآخرة إذ كل جماعات المتقين والمحبين يتممون ويطمئنون على بعضهم أمام باب الجنة فيقول واحد منهم:يا رب أين أخى فلان؟يقول: إنه لم يعمل بمثل عملك فيقول: يا رب إنى كنت أعمل لى وله فيقول الله تعالى: خذ بيد أخيك وادخلا معاً الجنة إذاً سيكون المؤمنون مع بعضهم البعض عند لقاء الله وعند دخول جنة الله جل فى علاه – والدرجة التى ارتفع بها الأخ قد اكتسبها بالحب فى الله والأخوة فى الله ولذلك يقول حضرة النبي{أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟ قالوا : الصلاة، قال: إن الصلاة لحسنة وما هي به قالوا: الزكاة، قال: إن الزكاة لحسنة وما هي به قالوا: الحج قال: إن الحج لحسن وما هو به قالوا: الجهاد قال: إن الجهاد لحسن وما هو به فلما رآهم يذكرون شرائع الإسلام ولا يصيبون قال لهم: أَوْثَقُ عُرَى الإِيْمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ}[8]لأنه لو وجدت المحبة فما المشاكل التى تظل موجودة بين المسلمين؟ فالمساجد مملوءة والحمد لله بالمصلين وجميع المسلمين يصومون شهر رمضان لكن هل تمنعهم الصلاة عن قطيعة الأرحام وعن التنازع والخصام وعن الغيبة وعن النميمة؟كلا كذلك هل يمنعهم صيام رمضان عن ارتكاب الذنوب والآثام؟كلا إذاً ما الذي يمنع الذنوب والآثام؟ إذا وجدت بين المؤمنين والمؤمنات محبة الملك العلام فتجد نتيجة ذلك هذا يتغاضى عن أخيه هذا يستر أخاه إذا وجده على ذنب أو معصية فينصحه سراً ولا يشنِّع عليه هذا يحاول أن يجمع أخاه على الله إذا وجده بعيداً عن الله والكل يسعى لجمع بعضهم على حضرة الله فتصبح الأمور بين المؤمنين كلها مودَّةٌ ومحبَّةٌ وكلها صلةٌ وكلها تقرَّبٌ إلى حضرة الله جلَّ فى علاه فعندما تنتشر المحبة تنتهى الأمراض الإجتماعية الموجودة الآن ولذلك عندما كانت المحبة موجودة وكانت الناس تذهب إلى الصالحين ويحبون بعضهم فى الله كانت الروابط قوية ومتينة ونجد أناساً مؤثرين يستطيعون حل المشاكل ويرتدع الناس بسببهم ولا يُقْدمون على النزاع والصراع أما الآن لا يكبُر لأحد فزادت المشاكل حتى لجان الصلح إذا وُجدت تجد مشقة بالغة وعنت فى التقريب بين المتخاصمين ولم يكن يُلَيّن الناس فى الماضى إلا المحبة التى كانت موجودة فى القلوب
[1] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقال: صحيح الإسناد[2] رواه الإمام احمد ومالك عن أبى إدريس الخولانى[3] للطبرانى فى الأوسط عن أَبي رزين الْعقيلي رضيَ اللَّهُ عنهُ جامع المسانيد والمراسيل [4] الْحكيم عن ابن عمروٍ جامع المسانيد والمراسيل والثانية فى كنز العمال وكشف الخفاء عن ابن عمر [5] رواه الطبرانى عن سلمان[6] الخطيب عن جابر[7] عن عَبْداللهِ بْنُ مَسْعُودٍ المسند الجامع[8] عن البراء بن عازب تعظيم قدر الصلاة محمد بن نصر النروزي أما الحديث بسؤال رسول الله وإجابته فقد ورد بالكثير مثل مصنف ابن أبى شيبة عن البراء بن عازب