شرح
كتاب صفات المنافقين وأحكامهم من صحيح مسلم
باب:
صفات المنافقين وأحكامهم




للشيخ الفاضل :
سعد بن فتحي الزعتري




الحديث الأول:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو اسحاق: أنه سمع زيد بن أرقم يقول:
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر أصاب الناس فيه شدة، فقال عبدالله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا من حوله. قال زهير وهي قراءة من خفض حوله،
وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه: ما فعل! فقال: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فوقع في نفسي مما قالوه شدة، حتى أنزل الله تصديقي:" إذا جاءك المنافقون" قال: ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم. قال: فلوّوا رؤوسهم. وقوله: كأنهم خشب مسندة. وقال كانوا رجالاً أجمل شيء.



تعريف رجال السند:
-أبو بكر بن أبي شيبة: وهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الكوفي المعروف بأبي بكر بن أبي شيبة، ثقة حافظ، صاحب تصانيف.
-الحسن بن موسى: هو الحسن بن موسى الأشيب أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة.
-زهير بن معاوية: هو زهير بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، ثقة ثبت.
-أبو اسحاق: وهو عمرو بن عبد الله بن عبيد ا لله الهمداني أبو اسحاق السبيعي، ثقة، مكثر، عابد.
-زيد بن أرقم: هو زيد بن أرقم بن قيس الأنصاري الخزرجي صحابي مشهور. أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين.[1]

شرح الحديث:

أراد الإمام
مسلم عند قوله" صفات المنافقين وأحكامهم": أن يعلمنا، ويعرفنا صفات المنافقين؛ كي نبتعد عنهم، ولا نقع في مصائدهم، كذلك أراد أن يبين لنا أنّ لهم أحكاماً تختلف عن أحكام الكفار، حيث أنهم أخفو الكفر والفسوق والعصيان، فلا بد أن يكون لهم أحكاماً خاصة بهم؛ كي يُتعامل معهم بحذر ودقة فائقة، فإذا قتلناهم قال الناس: هؤلاء يقتلون أصحابهم، وإن تركناهم أفسدوا البلاد والعباد، فكان لزاماً علينا التعامل معهم وفق أحكام تراعي المصلحة، ولا نفسح لهم المجال في الخراب والفساد.

- قول زيد بن أرقم- رضي الله عنه- خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر...الخ:
قال ابن الجوزي: هذا السفر المذكور كان في غزاة المريسيع؛ والمريسيع بئر لبني المصطلق، وكان ذلك في سنة خمس وقيل ست، وكان قد خرج معه عبد الله بن أبي في جماعة من
المنافقين طلبا للغنيمة، لا رغبة في الجهاد لقرب ذلك السفر. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوته، أقبل رجلان يستقيان ماءً، فاختصما، فنادى أحدهما: يال قريش، وصاح الآخر: يال الخزرج. فقال ابن أبي: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا: أي يتفرقوا. وقال: لئن رجعنا إلى المدنية ليخرجن الأعز: يعني نفسه، وعنى بالأذل: رسول الله صلى الله عليه وسلم.[2]

- قوله فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله فسأله...الخ :
قال الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله-: فسمع ذلك زيد بن الأرقم رضي الله عنه فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بأن عبد الله بن أبي قال هذا الكلام، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم - أي عبد الله بن أبي -، فاجتهد يمينه أنه لم يقل هذا، يعني حلف وأقسم واشتد في القسم أنه ما قال ذلك ؛ لأن
المنافقين هذا دأبهم ، يحلفون على الكذب وهم يعلمون. فأقسم أنه ما قال ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم، ويترك سريرتهم إلى الله، فلما بلغ ذلك زيد بن الأرقم اشتد عليه الأمر؛ لأن الرجل حلف وأقسم عند الرسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتهد يمينه في ذلك فاشتد هذا على زيد بن الأرقم، فقال: كذب زيد بن الأرقم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعني أخبره بالكذب، حتى أنزل الله تصديق زيد بن الأرقم في قوله: { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون. يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }. وتأمل جواب الله عز وجل لقول عبد الله بن أبي [ ليخرجن الأعز منها الأذل ] حيث قال: { ولله العزة ولرسوله } ولم يقل: إن الله هو الأعز؛ لأنه لو قال: هو الأعز، لصار في ذلك دليل على أن المنافقين لهم العزة، وهم لا عزة لهم، بل قال { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون }[3]

- قوله:" ثم دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم: فلوّوا رؤوسهم" :
قال ابن الجوزي: قوله:" لوّوا رؤوسهم": أي حركوها استهزاءً بالنبي صلى الله عليه وسلم[4]، قال الحافظ في الفتح: ووقع في مرسل الحسن" فقال قوم لعبد الله بن أبي: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغفر لك، فجعل يلوي رأسه، فنزلت".[5]

- قوله:" كأنهم خشب مسندة":
قال ابن كثير: وكانوا أشكالا حسنة، وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن.[6]

- قوله:"كانوا رجالاً أجمل شيء" :
قال القرطبي:" قال ابن عباس: كان عبد الله بن أبي وسيما، جسيما، صحيحا، ذلق اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة"[7]



فوائد الحديث:
- في الحديث فوائد عظيمة تكشف
صفات المنافقين وتوضح حالهم ومن أهمها:










- وفي الحديث أن المسلم يحسن الظن بمن ظاهره الإسلام، ويعامله بالظاهر، والله يتولى السرائر.

- وفي الحديث فوائد أخرى؛ منها قول الشيخ ابن عثيمين عند شرحه لهذا الحديث:
في هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن الإنسان ينقل كلام المنافق إلى ولي الأمر حتى يتخذ فيه ما ينبغي اتخاذه، وكذلك ينقل كلام المفسد إلى ولي الأمر حتى لا يتمادى في إفساده، وإذا كان الإنسان يخشى من الكلام أن يحصل فيه فساد وجب عليه أن يبلغه إلى ولي الأمر حتى يقضي على الفساد قبل أن يستشفي، لا يقال: أخشى أن ولي الأمر يفعل بي أو يفعل فيه، لا قد يفعل فيه، هو الذي جنى على نفسه إذا كان يتكلم بكلام يخشى منه الفساد، فالواجب رفع الكلام إلى ولي الأمر، لكن لابد من التثبت وألا يقع الإنسان في حرج، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنكر عبد الله بن أبي ما قيل عنه نزل الوحي بتصديق زيد بن الأرقم في وقتنا لا يوجد وحي يؤيد أو يفند، فأنت إذًا تثبت، وسمعت من بعض كلامًا يؤدي إلى الشر والفساد وجب عليك أن تبلغ به ولي الأمر حتى لا يستشفي الشر والفساد[8].

ومضة من الشيخ ربيع:
قال الشيخ الإمام ربيع بن هادي المدخلي في شرحه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص" قال" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصاً... " الحديث.
النفاق داء كبير وخطر جسيم على الإسلام والمسلمين، وهو وصف ذميم لقوم أظهروا الإسلام كيدا وخداعاً لينالوا به مصالح مادية ثم لينجو بذلك من سيوف الإسلام.
وقد لعن الله
المنافقين وذمهم وتوعدهم بأليم العذاب، في الدرك الأسفل من النار.
وقد ذكر صفاتهم الذميمة في سور كثيرة من القرآن الكريم؛ في سورة البقرة، والنساء، وسورة التوبة، وفي سورة المجادلة، والحشر، وسورة المنافقين. كل ذلك ليعرفهم المؤمنون ويحذروا شرهم وكيدهم وخبثهم.
وقد بيّن الرسول الكريم في هذا الحديث أربعا من صفاتهم وعلاماتهم البارزة:
الأولى: خيانة الأمانة، وبئست الخلق هي. وما أقبح أن يثق بك إنسان ويستأمنك على ماله أو عرضه أو حق من حقوقه، فتخونه.
إن دائرة الأمانة واسعة تشمل كل ما اؤتمن عليه الإنسان، حتى لتشمل الدين كله.
فكل ما جاء به الأنبياء من العقائد والشرائع أمانة في أعناق العلماء، إذا قصروا في تبليغها ونشرها كان ذلك منهم خيانة يستوجبون بها لعائن الله وغضبه، قال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ" [البقرة : 159]
فعلى حملة العلم أن يبلغوا ما جاء به خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والتسليم، فإن ذلك أعظم الأمانات، وكتمانه والتقاعس عنه أعظم الخيانات، قال تعالى: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ" [الأنفال : 27]
والثانية: الكذب في الحديث- فإنها أساس النفاق، وهو من أقبح الأخلاق، فإن الأمم كلها تحترم الصدق وتمقت الكذب، وتحتقر صاحبه فاحرص أن تكون مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم، وابتعد عن الكذب والكذابين، فإنه من
صفات أحط البشر؛ وهم المنافقون كما في هذا الحديث، وانظر إليهم وقد قامت ديانتهم على الكذب! وكيف فضحهم الله، وكشف عوراتهم، قال تعالى: "إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ* اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" [المنافقون : 1-2]
والثالثة: خلف الوعود أو نقض العهود والغدر، وذلك من أشنع الأخلاق وأرذلها. وكفى به شرا أن يكون من عواقبه مرض النفاق. قال تعالى:" فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ" [التوبة : 77]
فاحذر من الانحدار إلى هذا الخلق الحقير، واحرص على الوفاء بالوعد، واحترام العهد حتى تكون من أولي الألباب. "الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ" [الرعد : 20]
والرابعة: الفجور في المخاصمة، وعدم الوقوف عند الحق. وهو وزر كبير وجرم خطير يجر إلى مفاسد عظيمة؛ من استباحة الأموال والأعراض، وجحد حقوق الآخرين، وإلصاق التهم الظالمة بهم، ومحاربة الدعاة إلى الحق، وصد الناس عن الحق والهدى والسلوك بهم في مسالك الغواية والردى، فكم من أموال استبيحت، وأعراض انتهكت، ودماء أريقت بسبب فجور
المنافقين في خصوماتهم، كم من مريد للحق صدوه عن سلوك الصراط المستقيم وإتباع الحق القويم.
ولولا الفجور في الخصومة لرأيت معظم المسلمين ملتزمين منهج الله، مقتفين سبيل المؤمنين من السلف الصالح[9]..



هامش :

[1] هذا النقل لتراجم الرواة مستفاد من
كتاب التقريب للحافظ ابن حجر، بتصرف.
[2] كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (1/448). دار الوطن.
[3] شرح رياض الصالحين لابن عثيمين(1767).
[4] شرح رياض الصالحين لابن عثيمين(1767).
[5] الفتح(8/826).
[6] تفسير القرآن العظيم(4/472).
[7] تفسير القرطبي(18/122).
[8]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين(1767).
1- الحرص على تشويه الإسلام والمسلمين باستعمال أخس الطرق وهي: التسمي باسمه ظاهراً وتخريبه باطناً. 2- الطعن والازدراء بعلماء الإسلام لكي يصرفوا الأمة عن علمائها إلى جهالها. 3- كثرة الحلف والأيمان الباطلة للدفاع عن أشخاصهم وحمايتها من وقوع أحكام الإسلام عليهم. 4- إعطاء الأتباع الوعود الكاذبة والأماني الزائفة لتثبيتهم. 5- تهديد المسلمين بقطع المعونات والأرزاق إذا استمروا على منهجهم. 6- كلامهم معسول، وقولهم مسموع، ولسانهم فصيح. (فتنة للناس) 7- أجسامهم جميلة، وأشكالهم مليحة. (فتنة للناس). 8- التحريش وإثارة الفتن بين المسلمين. 9- إذا نصحوا لم ينتصحوا، وإذا جاءهم الحق أعرضوا، ولوّوا رؤوسهم. [9] مذكرات العقيدة والحديث والمصطلح. طبعة الجامعة الإسلامية65-67.